المصدر: Kataeb.org
الكاتب: زخيا زغيب
الجمعة 10 تموز 2026 16:57:29
منذ دخوله الحرب السورية عام 2012، انتقل حزب الله من قوة عسكرية لبنانية تتركز مهمتها الأساسية على جبهة الجنوب، إلى لاعب إقليمي يخوض معارك متعددة الساحات، من القصير والقلمون وحلب في سوريا، إلى جبهة الجنوب اللبناني تحت عنوان "إسناد غزة"، وصولًا إلى المواجهات المرتبطة بالصراع الإيراني-الإسرائيلي والأميركي أي "اسناد أيران".
هذا المسار العسكري الطويل لم يمرّ من دون كلفة. فخلال أكثر من عقد، تكبّد حزب الله خسائر بشرية وعسكرية كبيرة، فيما دفع لبنان ثمنًا مباشرًا وغير مباشر لهذه المواجهات، سواء من خلال الدمار في المناطق المتضررة، أو الضغوط الاقتصادية التي فاقمت أزمة مالية هي الأسوأ في تاريخه الحديث.
ورغم عدم إعلان حزب الله عن حصيلة إجمالية رسمية لخسائره البشرية، فإن تقاطع بيانات النعي، وتقارير مراكز الأبحاث، وتقديرات المؤسسات الدولية والأمنية، يسمح برسم صورة تقريبية عن حجم الاستنزاف الذي تعرض له الحزب منذ انتقاله إلى الحروب المفتوحة خارج الحدود.
الحرب السورية.. بداية الاستنزاف الكبير
شكّل التدخل العسكري في سوريا نقطة التحول الأبرز في مسار حزب الله. فمنذ عام 2012، نشر الحزب آلاف المقاتلين لدعم نظام بشار الأسد، وشارك في معارك واسعة امتدت من ريف دمشق إلى القصير والقلمون وحلب.
وتشير دراسة صادرة عن مركز حرمون للدراسات المعاصرة، استنادًا إلى تقديرات الباحث العسكري الأميركي جيفري وايت، إلى أن حجم انتشار حزب الله في سوريا تراوح بين 4000 و5000 مقاتل، مع وجود تقديرات أخرى تحدثت عن أعداد أكبر في مراحل معينة من الحرب.
وكانت معركة القصير عام 2013 أول إعلان واضح عن الدور الهجومي للحزب داخل سوريا. فقد شارك فيها مئات المقاتلين ضمن عملية استعادة البلدة، التي اعتُبرت استراتيجية بسبب موقعها الحدودي. وتشير تقديرات الباحثين مايكل ليفيت وآرون زيلين إلى أن خسائر حزب الله في هذه المعركة وحدها تراوحت بين 60 و120 قتيلًا.
ومع توسع المشاركة في القلمون وحلب وريف دمشق، ارتفعت كلفة التدخل. وقد وثّق معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى مئات القتلى من عناصر الحزب بالاسم حتى عام 2016، مشيرًا إلى أن الأرقام المعلنة تمثل حدًا أدنى بسبب صعوبة الوصول إلى حصيلة كاملة.
أما التقديرات الإجمالية لخسائر الحزب في الحرب السورية، فتتراوح بين نحو 1500 و2000 قتيل و5000 جريح وفق مصادر رصد وبحث مختلفة، مع وجود تقديرات أعلى تعتبر أن الخسائر قد تكون تجاوزت ذلك بسبب طبيعة الحرب وطول فترة الانخراط.
حرب إسناد غزة.. المواجهة الأكثر كلفة
في 8 تشرين الأول 2023، فتح حزب الله جبهة الجنوب اللبناني تحت عنوان دعم غزة. في البداية بقيت المواجهة ضمن سقف محدود نسبيًا، لكنها تحولت تدريجيًا إلى حرب واسعة مع التصعيد الكبير في أيلول 2024.
خلال هذه الفترة، تعرض الحزب لضربات غير مسبوقة منذ تأسيسه، طالت مواقعه العسكرية، بنيته القيادية، وقدراته الأمنية.
في الأشهر الأولى من الحرب، أعلن حزب الله أسماء مئات القتلى في صفوفه، فيما تراوحت التقديرات المفتوحة قبل التصعيد الواسع بين نحو 400 و500 قتيل.
لكن المرحلة الأخيرة من الحرب رفعت مستوى الخسائر بشكل كبير، خصوصًا بعد الضربات التي استهدفت القيادة العسكرية للحزب، وفي مقدمتها اغتيال عدد من كبار القادة، إضافة إلى العمليات التي طالت منظومة الاتصالات.
وتشير تقديرات إسرائيلية وغربية إلى أن خسائر حزب الله خلال حرب 2023–2024 بلغت آلاف القتلى، فيما رفعت بعض التقديرات الرقم إلى حدود 4000–5000 مقاتل و8000 جريح. إلا أن غياب إعلان رسمي شامل من الحزب يجعل هذه الأرقام ضمن إطار التقديرات وليس الإحصاءات النهائية.
عملية البيجر.. ضربة أمنية غير مسبوقة
في أيلول 2024، تعرض حزب الله لواحدة من أكبر الضربات الأمنية في تاريخه، بعدما انفجرت أجهزة الاتصال التي يستخدمها عناصره في عمليتين متتاليتين استهدفتا أجهزة "البيجر" وأجهزة اللاسلكي.
أدت العملية إلى مقتل وإصابة أعداد كبيرة من الأشخاص. ووفق التقارير الدولية، أسفر تفجير أجهزة البيجر عن مقتل 38 شخصًا وإصابة نحو 2800 شخص، فيما أدت تفجيرات أجهزة اللاسلكي في اليوم التالي إلى سقوط قتلى وجرحى إضافيين.
لكن عدد قتلى حزب الله تحديدًا في هذه العملية لم يُعلن بشكل منفصل، ولذلك لا يمكن احتسابه كرقم مستقل منعًا لتكرار الحساب، باعتبار أن هذه الخسائر تقع ضمن سياق حرب الجنوب في 2023–2024.
إلا أن أهمية العملية تجاوزت الخسائر البشرية، بعدما كشفت قدرة إسرائيل على اختراق إحدى أكثر منظومات الحزب حساسية، وهي شبكة الاتصالات والأمن الداخلي.
حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، لم تتوقف خسائر حزب الله، فقد استمرت الضربات والعمليات الأمنية، وسُجلت خسائر إضافية في صفوف الحزب تقول الأرقام قرابة الـ 300 وسط تضارب بين التقديرات المختلفة حول حجمها النهائي.
وبعد عودة الحزب في 2 آذار 2026 إلى الانخراط في الحرب إسنادًا لإيران، تشير التقديرات المرصودة إلى أن خسائره بلغت نحو 1100 مقاتل. مع الإشارة إلى عدم وجود أرقام رسمية دقيقة، إذ توقف حزب الله خلال هذه المواجهة عن إصدار بيانات نعي شاملة لقتلاه، وأصبحت الأرقام المتداولة تعتمد بشكل أساسي على عمليات الرصد المفتوح، ولا سيما من خلال صفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي ينشر عبرها أهل المقاتلين وأصدقاؤهم تعازيهم ونعيهم.
فاتورة لم يدفعها حزب الله وحده
لم تكن كلفة هذه الحروب محصورة بالخسائر البشرية داخل صفوف حزب الله، بل امتدت لتصيب لبنان بأكمله، في بلد كان أصلًا يعاني من انهيار مالي واقتصادي غير مسبوق.
فمنذ اندلاع المواجهات في الجنوب في تشرين الأول 2023، تعرضت المناطق الحدودية لدمار واسع طال المنازل والبنى التحتية والقطاعات الإنتاجية.
ووفق تقديرات البنك الدولي، بلغت الكلفة الاقتصادية الأولية للحرب نحو 14 مليار دولار، بينها حوالي 6.8 مليارات دولار أضرار مادية مباشرة، و7.2 مليارات دولار خسائر اقتصادية غير مباشرة ناتجة عن تراجع النشاط الاقتصادي وفقدان الإنتاجية وتعطل الأعمال.
أما احتياجات إعادة الإعمار والتعافي، فقدّرها البنك الدولي بنحو 20 مليار دولار، تشمل قطاعات السكن والبنى التحتية والتجارة والزراعة والخدمات.
وكان القطاع السكني من الأكثر تضررًا، مع تسجيل أضرار في نحو 160 ألف وحدة سكنية بين دمار كامل وأضرار جزئية. كما تعرض القطاع الزراعي لضربة كبيرة، حيث قدرت تقارير أممية الأضرار والخسائر الزراعية بمئات ملايين الدولارات، بالإضافة الى 62 بلدة حدودية مدمرة بالكامل.
ولم تتوقف تداعيات الحرب عند المناطق الحدودية، بل انعكست على الاقتصاد الوطني ككل، من خلال تراجع السياحة والاستثمار والنشاط التجاري، وزيادة الضغط على دولة تعاني أصلًا من أزمة مالية عميقة.
الخلاصة.. أكثر من عقد من الاستنزاف
عند جمع مختلف المراحل، من الحرب السورية إلى اسناد غزة وايران، تشير التقديرات إلى أن خسائر حزب الله البشرية منذ عام 2012 قد تكون بتقديرات تقارب 10,000 قتيل وفق بعض المصادر والتقديرات المفتوحة، ناهيك عن المفقودين في كلا الحربين، بالإضافة الى 28900 جريح.
لكن الخسارة لا تقاس فقط بعدد القتلى. فالحروب المتتالية استنزفت جزءًا من البنية العسكرية والقيادية للحزب، وفرضت على لبنان كلفة اقتصادية وإعمارية ضخمة وصلت بحدود 34 مليار دولار.
وبعد أكثر من عقد على انتقال حزب الله من قوة تركز على جبهة واحدة إلى لاعب إقليمي متعدد الجبهات، يبقى السؤال الأساسي: هل أنتج هذا المسار مكاسب للبنان، أم أنه حوّل البلاد إلى ساحة مفتوحة لصراعات تتجاوز حدودها وقدرتها على التحمل؟
أبرز المراجع:
The Washington Institute for Near East Policy – Hezbollah fatalities in Syria.
Harmoon Center for Contemporary Studies – Hezbollah’s intervention in Syria.
Jeffrey White – تقديرات انتشار حزب الله في سوريا.
Michael Levitt & Aaron Zelin – تقديرات خسائر معركة القصير.
Institute for National Security Studies (INSS).
Reuters – تقارير حول خسائر حزب الله في حرب 2023–2024.
World Bank – Lebanon Rapid Damage and Needs Assessment.
United Nations / FAO – تقارير تقييم الأضرار والخسائر في لبنان.
-وزارة الصحة اللبنانية (عدد الجرحى في حربي اسناد غزة وايران).