فصل الطائفة عن الحزب: مسؤولية المعارضة الشيعية في هذه اللحظة الوطنية

في اللحظات المفصلية من تاريخ الدول، لا تعود المسؤوليات موزّعة بالتساوي، بل تتركّز حيث القدرة على التأثير وحيث الحاجة إلى كسر المسار القائم. ولبنان اليوم في واحدة من تلك اللحظات النادرة التي لا تحتمل الرماديات، ولا تقبل ترف الصمت أو الاختباء خلف التوازنات الهشّة. هنا تحديدًا، تتقدّم مسؤولية الشيعة المعارضين لحزب الله إلى الواجهة، لا كخيار سياسي عادي، بل كواجب وطني وأخلاقي لا يحتمل التأجيل.


المشكلة لم تعد في خلاف سياسي عابر، ولا في تباين وجهات نظر داخل طائفة. ما نشهده هو عملية ممنهجة يقودها حزب الله لوضع الطائفة الشيعية في مواجهة بقية اللبنانيين، وتحويلها، قسرًا، إلى درع سياسي لمشروعه الإقليمي. الأخطر من ذلك، هو سعيه الدؤوب لمصادرة القرار الشيعي برمّته، وتقديم نفسه كناطق حصري باسم طائفة متنوعة تاريخيًا، غنية بتعدديتها، وراسخة في انتمائها اللبناني قبل أي انتماء آخر.


في هذا السياق، يصبح صمت المعارضين داخل البيئة الشيعية ليس حيادًا، بل عاملًا يُستخدم لتعزيز هذا الاحتكار. فكل تراجع عن المواجهة، وكل تردّد في إعلان الموقف، يُترجم عمليًا على أنه تفويض ضمني، أو على الأقل غياب للاعتراض، وهو ما يستثمره الحزب لتكريس روايته: "حزب الله يعني الشيعة".


لكن الحقيقة مختلفة. داخل الطائفة الشيعية أصوات تعرف جيدًا أن ما يجري ليس دفاعًا عن لبنان، بل زجّ به في صراعات لا تشبهه، ولا تخدم استقراره، ولا تحمي مستقبله. أصوات تدرك أن تحويل الطائفة إلى خط تماس دائم مع الداخل والخارج، لن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة والانهيار.


من هنا، فإن المسؤولية اليوم ليست في تسجيل موقف خجول أو في التمايز الصامت، بل في الانتفاض السياسي الواضح: موقف علني، صريح، لا لبس فيه، يرفض مصادرة الطائفة، ويرفض وضعها في مواجهة اللبنانيين، ويعيد التأكيد أن الشيعة ليسوا كتلة واحدة تُقاد بالأمر الواقع، بل شركاء كاملو الأهلية في صياغة مستقبل هذا البلد.
هذه ليست دعوة إلى مواجهة داخلية، بل إلى استعادة التوازن الوطني. ليست دعوة إلى كسر الطائفة، بل إلى حمايتها من الاختطاف. فبقاء الأمور على حالها لا يضر فقط بلبنان كدولة، بل يضر أولًا وأخيرًا بالطائفة نفسها، التي تُدفع تدريجيًا نحو عزلة سياسية وشعبية لا تشبه تاريخها ولا دورها.


إن كسر هذه الحلقة يبدأ من الداخل. من الجرأة على قول “لا” في وجه من يدّعي احتكار الصوت والقرار. من إعادة الاعتبار لفكرة أن الانتماء الوطني يعلو على أي مشروع آخر، وأن كرامة الطائفة لا تُصان بالعزلة، بل بالشراكة.
لبنان لا يُنقذ من الخارج، ولا يُستعاد بالرهانات الإقليمية. لبنان يُبنى حين يجرؤ أبناؤه على تحمّل مسؤولياتهم، كل من موقعه. واليوم، تقع على عاتق الشيعة المعارضين لحزب الله مسؤولية استثنائية: أن يكونوا الصوت الذي يكسر الاحتكار، ويعيد التوازن، ويمنع انزلاق الطائفة، ومعها لبنان، إلى ما لا عودة منه.