المصدر: وكالة الأنباء المركزية
الكاتب: نجوى ابي حيدر
الأربعاء 7 تشرين الأول 2026 13:56:47
على رغم ما خلّفته حروب حزب الله وما رافقها من خسائر ودمار واستنزاف للدولة والمجتمع والاقتصاد، لا يزال المسؤولون الإيرانيون يتعاملون مع لبنان في خطابهم السياسي والعسكري باعتباره ساحة من ساحات مشروعهم الإقليمي، لا دولة ذات سيادة وقرار مستقل، وكأن شيئا لم يتغير منذ ثلاثة اعوام.
آخر فصول هذا الخطاب جاء على لسان قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال إسماعيل قاآني، الذي تحدث عن استمرار وحدة الساحات بين أطراف جبهة المقاومة، داعياً إلى تعزيز "حزام الدفاع" الممتد، من أفغانستان إلى اليمن، ومن إيران إلى غزة ولبنان، مؤكدا أن ساحات المقاومة تتحرك وفق إجراءات محسوبة، وأن الظروف الصعبة لم توقف مسارها.
قد يكون هذا الكلام منسجماً مع الرؤية الإيرانية للصراع في المنطقة، لكنه يطرح في لبنان سؤالاً سيادياً بامتياز: هل لبنان دولة مستقلة تحدد مصالحها وسياساتها بنفسها، أم ساحة ضمن استراتيجية إقليمية تقررها طهران؟
المفارقة أن هذه التصريحات جاءت بعد اجتماع رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجّي مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي في نيويورك، حيث أكد الجانب اللبناني ضرورة أن تقوم العلاقات بين البلدين على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، فجاء الرد الايراين صاعقاً في ما يتصل بطلب تعيين سفير جديد لايران في لبنان بطلب تقديم اعتذار على ما اقترفه لبنان بحق السفير غير المرغوب فيه.
تقول أوساط سياسية سيادية لـ"المركزية" إن المواقف الإيرانية الأخيرة تستوجب موقفاً رسمياً لبنانياً واضحاً، ليس بهدف التصعيد مع طهران، بل لوضع حد لأي محاولة لإدراج لبنان في حسابات إقليمية لا تعكس مصالحه الوطنية ولمواجهة الفوقية التي تتعامل بها طهران مع بيروت. ولا ينفصل هذا الملف عن قضية السلاح. فالحكومة اللبنانية تؤكد حصرية السلاح بيد الدولة، فيما يواصل حزب الله تمسكه بسلاحه، رغم مشاركته في السلطة التنفيذية، في وقت لم يمنح نوابه الحكومة الثقة في مجلس النواب. فكيف يمكن التوفيق بين المشاركة في مؤسسات الدولة ورفض أحد أبرز قراراتها السيادية؟ وأين تقف المصلحة اللبنانية عندما يتحدث مسؤول إيراني عن لبنان باعتباره جزءاً من وحدة الساحات"؟
ويكتسب ملف السفير الإيراني بعداً إضافياً في هذا السياق. فلبنان سبق أن سحب اعتماد محمد رضا شيباني واعتبره شخصاً غير مرغوب فيه، كما استدعى سفيره من طهران للتشاور. ثم دعا الرئيس سلام إيران إلى ترشيح سفير جديد للبنان، في إطار علاقة يفترض أن تقوم على الندية والاحترام المتبادل.
المطلوب اليوم ليس قطع العلاقة مع إيران ولا تحويل الخلاف السياسي إلى مواجهة ، بل تثبيت قاعدة بسيطة في العلاقات بين الدول: كما لا يتدخل لبنان في شؤون إيران، على إيران أن تحترم سيادة لبنان وقراره الوطني. فالمسألة لم تعد مجرد تصريح لقائد عسكري إيراني. إنها سؤال عن موقع لبنان نفسه: هل هو دولة ذات سيادة، أم ساحة في "وحدة الساحات"؟ اما الإجابة فلا تقع على عاتق طهران وحدها، لأن الدولة اللبنانية مطالبة أيضاً بأن تترجم خطاب السيادة إلى مواقف عملية تثبت أن القرار اللبناني يُصنع في بيروت، لا في أي عاصمة أخرى، والا فإن مصداقيتها على المحك وثقة العالم بها تتلاشى، والثمن سيكون كبيراً جداً.