المصدر: لوريان لوجور
الكاتب: منير يونس
الثلاثاء 9 حزيران 2026 12:55:48
في خطوة قد تعيد رسم ملامح القطاع المالي اللبناني، أطلق مصرف لبنان إطارًا تنظيميًا جديدًا يهدف إلى تنشيط سوق الائتمان عبر مؤسسات تمويل غير مصرفية، في وقت لا تزال فيه عملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي بعيدة المنال.
فبعد أكثر من ست سنوات على الانهيار المالي، ما زالت المصارف اللبنانية تؤدي دورًا محدودًا جدًا في منح القروض. فقد اختفت تقريبًا القروض السكنية باستثناء عدد محدود من الملفات الممولة عبر المؤسسة العامة للإسكان، فيما بقيت القروض الاستهلاكية محدودة، وتواصل الشركات، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة، مواجهة صعوبات كبيرة في الحصول على التمويل.
وفي هذا السياق، أصدر مصرف لبنان في 21 أيار/مايو ثلاثة قرارات تنظيمية جديدة، أبرزها القرار الأساسي رقم 13819 الذي يستحدث إطارًا حديثًا للمؤسسات المالية، بديلًا للنظام المعمول به منذ عام 1998.
وبموجب القرار الجديد، ستتحول الشركات المالية التقليدية تدريجيًا إلى «شركات تمويل» تتمتع بصلاحيات أوسع ومتطلبات رقابية أكثر تشددًا، بما يسمح لها بلعب دور أكبر في تمويل الاقتصاد خلال المرحلة الانتقالية.
بدائل عن التمويل المصرفي
وتسعى السلطات النقدية من خلال هذه الخطوة إلى تعويض التراجع الحاد في الإقراض المصرفي، ريثما تنضج عملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي.
وسيُسمح لشركات التمويل الجديدة بممارسة مجموعة واسعة من الأنشطة تشمل:
القروض الاستهلاكية.
تمويل الإسكان.
تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
التأجير التمويلي (Leasing).
إدارة الأموال لحساب الغير.
التمويل الرقمي.
التمويل بضمان الأوراق المالية (Margin Lending).
كما ستتمكن من تقديم خدمات مساندة مثل البطاقات المصرفية، والمدفوعات الإلكترونية، وتسديد الفواتير، وبعض الخدمات المالية المرتبطة بالأسواق.
مهلة للمؤسسات القائمة
ونظم القراران 13820 و13821 عملية الانتقال إلى النظام الجديد، حيث مُنحت مؤسسات التمويل الأصغر ستة أشهر لتسوية أوضاعها، بينما أُعطيت مكاتب التسليف مهلة سنة واحدة. وفي حال عدم الامتثال أو الحصول على التراخيص المطلوبة، ستُلغى تراخيصها الحالية.
كما أعاد مصرف لبنان هيكلة القطاع غير المصرفي ضمن ثلاثة مجالات رئيسية:
الائتمان والتمويل.
العمليات الائتمانية والائتمانية الاستئمانية.
التمويل الأصغر.
وفرض متطلبات رأسمالية مرتفعة نسبيًا تبدأ من 300 مليار ليرة لبنانية لشركات التمويل الكبرى، بهدف تعزيز الملاءة المالية وتقليص عدد المؤسسات الضعيفة.
خارطة طريق حتى 2030
وتتوافق هذه القرارات مع الرؤية التي عرضها حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، والتي تقسم عملية الإصلاح إلى مراحل تمتد حتى عام 2030.
فبحسب هذه الخطة، ستتركز الجهود بين عامي 2026 و2027 على الاستقرار والإصلاحات، تليها مرحلة إعادة هيكلة المصارف والدين العام بين 2027 و2028، على أن تعود وظيفة الإقراض المصرفي الطبيعية تدريجيًا بين 2028 و2030.
وبذلك، يبدو أن مصرف لبنان يقر ضمنيًا بأن استعادة النشاط الائتماني عبر المصارف لن تكون سريعة، ما يفرض إيجاد قنوات تمويل بديلة خلال السنوات المقبلة.
منافسة جديدة للمصارف؟
ويرى مراقبون أن التجربة قد تشبه ما حصل في قطاع المدفوعات الإلكترونية، حيث برزت خلال السنوات الأخيرة شركات جديدة ملأت جزءًا من الفراغ الذي خلفه تراجع المصارف.
لكن قدرة شركات التمويل الجديدة على التوسع ستبقى مرتبطة بقدرتها على جذب الرساميل والمستثمرين، نظرًا لأنها لا تملك حق استقبال الودائع كما هو الحال بالنسبة للمصارف.
ورغم ذلك، قد يؤدي نمو هذه المؤسسات إلى تغيير التوازنات داخل القطاع المالي اللبناني، خصوصًا إذا استمر تأخير إعادة هيكلة المصارف. فكلما طال أمد الأزمة، ازدادت فرص ترسخ اللاعبين الجدد في السوق وانتزاع حصص من الأنشطة التي كانت تاريخيًا حكرًا على المصارف.
وفي المحصلة، تعكس خطوة مصرف لبنان واقعًا واضحًا: الاقتصاد اللبناني يحتاج إلى التمويل اليوم، فيما لا تزال إعادة بناء القطاع المصرفي مشروعًا طويل الأمد. والسؤال المطروح هو ما إذا كانت شركات التمويل الجديدة ستنجح في سد جزء من فجوة الائتمان، أم أنها ستتحول إلى منافس حقيقي للمصارف عندما تستعيد الأخيرة عافيتها.