المصدر: لوريان لوجور
الكاتب: نغم ربيع
الأربعاء 4 شباط 2026 11:17:48
يتغيّر البقاع. هذه «المملكة» التي اشتهرت بالمخدرات والتهريب، و«جنّة الخارجين عن القانون» حيث كان حضور الدولة غالبًا باهتًا، وهذا «الغرب المتوحش» على تخوم لبنان وسوريا، حيث سادت الفوضى، يشهد اليوم تحوّلًا عميقًا. ويعود هذا التحوّل، على غرار لعبة البوكر، إلى «سوء توزيع أوراق» أصاب اللاعبين الأساسيين وأعاد خلط الأوراق. أولًا، سقوط النظام السوري، وما رافقه من تفكيك البنى التي وفّرت لسنوات غطاءً غير مباشر لشبكات التهريب. وثانيًا، تراجع نفوذ حزب الله في لبنان، ما خلق فراغًا في مناطق كان الحزب يلعب فيها دور «الراعي»، في ظل غياب دولة فاعلة بالكامل.
في هذا السياق، تكثّفت الإجراءات الأمنية، وتجلّت في سلسلة توقيفات طالت شخصيات بارزة في تجارة المخدرات، أبرزهم نوح زعيتر. وقد حكمت المحكمة العسكرية، يوم الثلاثاء، عليه بالسجن أربعة أشهر نافذة بعد إدانته في أربع قضايا، على أن تُعقد جلسة ثانية في 5 أيار للنظر في ملفات أكثر خطورة. وقد تحوّلت قضيته، التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، إلى رمز للاقتصاد «الأسود» المتجذّر في البقاع. غير أن مسيرته تتجاوز صورة «تاجر المخدرات» الفرد، لتعكس نظامًا منظّمًا ومتجذّرًا في واقع اجتماعي واقتصادي وجغرافي أوسع.
غير أن التركيز على نوح زعيتر وغيره من الأسماء المشابهة قد يحجب أحيانًا الطابع الجماعي والمنهجي لهذا الاقتصاد الموازي، الذي نشأ نتيجة تهميش مزمن للمنطقة، وضعف سياسات التنمية، وغياب البدائل القابلة للحياة.
وهكذا، لم تغيّر التحوّلات في لبنان والمنطقة ميزان القوى الأمني فحسب، بل أعادت رسم قواعد اللعبة الاقتصادية والاجتماعية، في واقع لا يزال غير مكتمل: أمن أشد، وحدود أكثر ضبطًا، واقتصاد غير شرعي في تراجع… بانتظار البديل.
مليارا دولار سنويًا
في البقاع، لا يُقاس تأثير «مكافحة المخدرات» بعدد المداهمات أو بسقوط بعض «الرؤوس الكبيرة» فقط، بل بالفراغ الذي تخلّفه هذه الإجراءات في منطقة عاشت طويلًا على هامش السياسات العامة. فقد شكّل الاقتصاد غير الرسمي ضرورة لتعويض غياب الدولة وضمان حدّ أدنى من الاستقرار الاجتماعي. وعلى مدى عقود، لم تكن زراعة القنّب والتهريب أمرًا استثنائيًا، بل جزءًا من الحياة اليومية ودورة اقتصادية متكاملة، من الأرض إلى الحدود.
ويقدّر الباحث محمد شمس الدين، من مؤسسة «إنفورميشن إنترناشيونال»، عائدات القنّب في لبنان بنحو ملياري دولار سنويًا، تشمل سلسلة كاملة من النقل والتخزين والتسويق وتوزيع الأرباح. وقبل أزمة 2019، كانت عائدات التهريب تُقدَّر بخمسة مليارات دولار سنويًا على الأقل، مع تهرّب ضريبي واسع. ورغم أن هذه الأموال لم تدخل خزينة الدولة، فإنها حرّكت الأسواق المحلية، وساعدت على سداد الديون وتأمين الدخل.
ويرى الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان أن مكافحة المخدرات ستترك حتمًا آثارًا على البقاع. «ستتضرر الدينامية الاقتصادية، لأن عددًا كبيرًا من المزارعين يعتمدون عليها للبقاء. المشكلة الأساسية هي غياب البدائل الجاهزة، إذ لم تنجح أي زراعة أخرى في الحلول مكانها»، يقول. ولا تقتصر التداعيات على المزارعين، بل تطال العمّال الموسميين والسائقين والوسطاء وأصحاب المستودعات والتجار الصغار، فضلًا عن تباطؤ الأسواق وارتفاع البطالة.
قانون بقي حبرًا على ورق
تشير مصادر أمنية إلى أن تشديد ضبط الحدود صعّب عمليات التهريب من دون أن يوقفها نهائيًا. فقد تغيّرت المسارات وتبدّلت الأساليب، وانتقلت بعض الشبكات إلى مناطق أخرى. ويؤكد محمد شمس الدين أن تراجع هذا الاقتصاد لا يتجاوز 25%، أي إنه لم يختفِ بل أصبح أكثر هشاشة وخطورة.
سياسيًا، يتفق الجميع على ضرورة ضبط الحدود بالتنسيق مع سوريا. لكن نوابًا من المنطقة يذكّرون بحقيقة أساسية: «المهرّبون ليسوا اسمًا واحدًا أو قضية واحدة. والأمن وحده لا يُطعم الناس»، يقول نائب فضّل عدم ذكر اسمه.
في هذا الإطار، عاد ملف تقنين زراعة القنّب إلى الواجهة. ففي 28 أيار 2020، أقرّ مجلس النواب القانون رقم 178 الذي يشرّع زراعة القنّب لأغراض طبية وصناعية، وينصّ على إنشاء هيئة تنظيم مستقلة ونظام تراخيص ورقابة.
لكن بعد خمس سنوات، لا تزال الحملات الأمنية مستمرة. ويؤكد رئيس هيئة تنظيم القنّب داني فاضل أن المشكلة ليست في القانون بل في تطبيقه. «حتى اليوم، لم تُمنح أي رخصة رسمية»، يقول، ما أدّى إلى خسارة محصول العام الماضي بالكامل.
ستة آلاف دونم
يؤكد وزير الزراعة نزار هاني أن آمال الموسم الحالي معلّقة على تنفيذ فعلي للقانون. «نريد الحفاظ على هذه الزراعة، فهي مقاومة للتغير المناخي أكثر من البدائل التي جُرّبت سابقًا»، يوضح. ويشير إلى أن زراعة الحبوب موجودة، لكنها أقل ربحية، فيما أثبت الزعفران نجاحًا محدودًا لكنه يتطلب كلفة عالية.
وبحسب مزارعين، تُزرع نحو 6 آلاف دونم من القنّب في البقاع، من الهرمل إلى بعلبك الشمالي مرورًا بدير الأحمر واليمّونة. ورغم محدودية عدد المنتجين، توفّر هذه الزراعة فرص عمل لآلاف العائلات.
يختصر محمد الواقع بالقول: «نزرع ونجازف، لكننا نعمل على الأقل. ما البديل؟ أين الوظائف؟ أين المصانع؟» أما سامر، فأعاد زراعة القنّب بعد 2005، لكنه يؤكد أن العائدات تراجعت كثيرًا. ويقول علي إنه جرّب زراعة البطاطا والطماطم من دون نجاح مماثل: «لا شيء كان مربحًا مثل القنّب في هذه المنطقة».
اليوم، يقف البقاع عند مفترق طرق. التشدد الأمني يبدو بلا عودة. الاقتصاد غير الشرعي يتراجع من دون أن يُستبدل. وفي هذه المنطقة، قد يكون الفراغ أحيانًا أخطر من المخالفة نفسها. ومن دون سياسة تنموية حقيقية – تبدأ بتطبيق قانون القنّب ولا تنتهي عنده – قد يعود البقاع إلى الحلقة نفسها: منطقة تُضبط أمنيًا، من دون أن تُدمج فعليًا في الدولة.