قائد الجيش فاسد؟... جان العليّة يكشف

هل فعلاً خالف قائد الجيش العماد جوزف عون القانون؟ وهل يمكن سحب "لحاف الفساد" على المناقصات التي تنفّذها قيادة الجيش؟ أم هي مبالغة أو حملة شنّت على الجيش وقائده لشطبه من لائحة المرشّحين لرئاسة الجمهورية؟

حمل "أساس" هذه الأسئلة وتوجّه بها إلى رئيس هيئة الشراء العام جان العليّة، لينظر في قانونية الاتفاقات الرضائية التي نفّذتها قيادة الجيش في المرحلة الماضية، وكانت محطّ جدل في بعض وسائل الإعلام.

تبيّن أنّ العليّة كان قد طلب الملفّات من قيادة الجيش للنظر في قانونيّتها، ووصله كتاب مفصّل من القيادة يكشف تفاصيل العقود. وقد أجاز العليّة لـ"أساس" أن ينشر مضمون الرأي القانوني الذي تستعدّ الهيئة لإرساله إلى قيادة الجيش خلال الأيام المقبلة: "بعد دراسة الملفّات المطلوبة والموادّ القانونية ذات الصلة تبيّن أنّ كتاب قيادة الجيش ينطبق على الواقع والقانون، وأنّ العمليات التي يقوم بها الجيش المموّلة من المال الخاصّ لا تخضع لقانون الشراء العامّ ولا لمراقب عقد النفقات ولا حتى لديوان المحاسبة، وهي قوانين قديمة وليست حديثة، وجزء كبير منها يعود لعهد الرئيس قؤاد شهاب". وعليه لم تجد الهيئة ما يستدعي الملاحظات أو المخالفات في هذا الملفّ.

ضرب صورة قائد الجيش

كان إعلام الحزب قد "فتح" منذ شباط الماضي حتى اليوم "حملة" تشويه إعلامية "ممنهجة في السياسة"، صوّبت على شخص قائد الجيش، بهدف تعميم صورة على الرأي العامّ بأنّه "فاسد" ولا يختلف عن بقيّة أركان الطبقة السياسية التي ضربت صورتها ثورة 17 تشرين والانهيار المالي.

تعود جذور هذه الحملة إلى عام 2021، منذ بدء تداول اسم العماد جوزف عون مرشّحاً لرئاسة الجمهورية، وتستكملها جرائد الحزب ومواقعه وجيشه الإلكتروني بعرض "آراء" في اتفاقات بالتراضي تصوِّرها فساداً يغزو المؤسّسة العسكرية.

يجد القارئ في إعلام الحزب مثلاً العديد من المقالات والتقارير التي تصوّب بشكل مباشر على المؤسّسة العسكرية، في سياق ما تصفه مخالفات قانونية، ونذكر من أبرزها:

- اتفاق بالتراضي بين قيادة الجيش وشركة   روك شلالا (Rocks trading) بتاريخ 9 كانون الثاني 2023، تحت عنوان "اتفاقية بالتراضي رقم 66". ويتضمّن الاتفاق 100 ألف زوج من حذاء "رنجر" الصحراوي بقيمة ثلاثة ملايين و550 ألف دولار، بسعر إفرادي يبلغ 35.5 دولاراً للزوج الواحد، ويتمّ التسليم على 6 دفعات. ويذهب الإعلام بعيداً في تقاريره ليقول إنّ سعر "الرنجر" مبالغ فيه، وكان يمكن للمؤسّسة العسكرية أن تشتريه بسعر لا يتعدّى 15 دولاراً في السوق المحلّي.

- من العقود قيد الجدل، يذكر الإعلام نفسه سبعة اتفاقات بالتراضي تبلغ قيمتها نحو 19 مليون دولار لتركيب أجهزة توليد كهرباء باستخدام ألواح الطاقة الشّمسية، بقدرة إجمالية تساوي 6.3 ميغاواط، وبطاريات تزيد سعتها التخزينية الكليّة على 17 ميغاواط ساعة، ويجري تركيبها خلال "مهلة لا تزيد على 7 أشهر" في نوادي الرتباء الستّة.

ماذا يقول القانون؟

في التفاصيل القانونية:

-المادّة 156 من تنظيم دفاع مدني (مؤسّسات التعاضد والاقتصاد في الجيش) توضح أنّ الجيش ينشئ مؤسّسات تعاضد وصناديق مثل نادي الضباط وغيره، وتُعتبر هذه المؤسّسات من أشخاص القانون الخاصّ، بمعنى أنّ لدى الجيش مؤسّسات تقدّم خدمات للمنتسبين إليها بأسعار رمزية مثل نادي الضباط. وهذه المؤسّسات تُعتبر من أشخاص القانون الخاصّ، وبالتالي الأموال التي تتصرّف فيها هي أموال خاصة، وليست ككازينو لبنان الذي تذهب عائداته إلى الموازنة. وتقول المادّة في نصّها: "تُعتبر مؤسّسات التعاضد والاقتصاد في الجيش من أشخاص القانون الخاصّ، وترتبط بالمدير العامّ للإدارة وتصدر أنظمتها بمراسيم بناء على اقتراح وزير الدفاع الوطني، وتُعفى إيراداتها ومعاملاتها وأعمالها كافّة من الضرائب والرسوم على اختلافها".

-المادّة 2 من قانون الشراء العامّ، الفقرة الثالثة، تقول إنّ المؤسّسات الأمنية والعسكرية خاضعة لقانون الشراء العامّ.

-لكنّ المادّة الثالثة فقرة أولى (نقاط التطبيق) من قانون الشراء العامّ تقول إنّ الجهات الشارية تخضع لقانون الشراء العامّ "في عمليات الشراء التي تقوم بها المموّلة من أموال الموازنة، أو الخزينة، أو من قروض داخلية أو خارجية أو هبات...".

هكذا توضح هذه الموادّ عدم خضوع هذه العقود لقانون الشراء العامّ، وعدم مخالفتها للقوانين. وعلم "أساس" أنّ قيادة الجيش على الرغم من عدم خضوع الاتفاقات التي نفّذتها لقانون الشراء العام، إلا أنّها وضّحت للهيئة التفاصيل "لمزيد من الشفافية"، وأكّدت أنّها لم تنفّذ اتفاقاً رضائيّاً بالمعنى المتعارف عليه، بالذهاب إلى طرف محدّد، بل نفّذت في البداية استقصاء أسعار، بعد طلب عروض من عدد من الشركات، واختارت العقد الأفضل، وهو الأمر الذي أثبتته للهيئة في ردّها الذي تسلّمته الهيئة الأسبوع الماضي ونظرت فيه.


ماذا عن صفقات البيع؟

إعلام الحزب كشف عن عقدَي بيع الجيش لأسلحة قديمة، وقالت إنّهما عقدين رضائيين، من دون مزايدة:

- بلغت قيمة العقد الأول 341,215 دولاراً، وهو بين القوات المسلحة ممثَّلة بقائد الجيش العماد جوزف عون ومؤسسة «براشيا للشرق الأوسط» ممثَّلة بجوزف أبي صعب. وقد وقّعه «عن الجنرال عون» نائب رئيس الأركان للتجهيز العميد الركن الطيار زياد هيكل في 19 أيلول 2022.

- العقد الثاني المُوقَّع في 31 أيار 2021، بلغت قيمته نحو مليونين و600 ألف دولار (2,599,310)، وهو موقّع بين القوات المسلحة ممثَّلة بقائد الجيش العماد جوزف عون وشركة «رايلي» (Riley Defense Inc) ومقرّها ولاية نورث كارولاينا الأميركية ممثَّلة برئيسها رمزي خير الدين، بحسب "الأخبار".

لم تبحث هيئة الشراء العام في قانونية هذين العقدَين، لذلك تواصل "أساس" مع المحامي الدكتور بول مرقص، رئيس مؤسسة JUSTICIA الحقوقية، الذي أكد أنّه في الجيش يوجد ما يسمّى بـ"مديرية التنفية، وهي تابعة للواء اللوجستي، وتجري فيها آلية منصوص عليها في النظام الداخلي للجيش، وهي قائمة منذ نحو 30 سنة، تقوم على بيع الآليات والمدافع القديمة وسائر القطع المعدنية على شكل خرضوات لأنّها تكون خارج الخدمة، أو يتم عرضها في الساحات العامة على سبيل التحف والتذكار، أما الخيار الثالث فأن تُرمى في البحر على نحو مدروس، وذلك بموجب هذه الآلية التي تفضي إلى أن يعود الحاصل على خزينة الجيش".

في الخلاصة يعتبر مرقص، العميد في الجامعة الدولية للأعمال في ستراسبورغ، أنّ "قيادة الجيش تقوم بما لديها من صلاحيات بإنفاذ هذه الآلية، المنوطة بمديرية التنفية في اللواء اللوجستي، وبالتالي يكون ذلك واقعاً في موقعه القانوني السليم، ولا يتعارض أبداً مع قانون الشراء العام".

حملة في السياسة

لكن لماذا الحملة على قيادة الجيش؟

يجيب مصدر مقرّب من المؤسّسة العسكرية أنّ ما تنشره بعض الصحف هو حملة سياسية يقودها رئيس "التيار الوطني الحرّ جبران باسيل بوجه قائد الجيش لمنع وصوله إلى رئاسة الجمهورية، ويقول المصدر لـ"أساس": "لا يستطيع الحزب منح باسيل ما يريده في السياسة، فيلجأ إلى نشر قصص من هذا النوع، في وسائل الإعلام التي تنقل نبضه، لتبييض الوجه مع باسيل وضرب سمعة منافسيه"، ويلفت المصدر إلى أنّ "ظلّ" وزير الدفاع قد شوهد أيضاً في هذه الحملة للغاية عينها.

يعلّق المصدر ساخراً على المقالات التي نُشرت ويقول: "على سبيل المثال لا الحصر صفقة أحذية الرينجر لا تقلّ أهميّة عن صفقة سلاح، لأنّها تدخل ضمن العتاد العسكري، والمعيار هنا ليس فقط السعر الأدنى بل السعر الأدنى ضمن معايير معيّنة". وعلم "أساس" أنّ قيادة الجيش اتّخذت قراراً بعدم الردّ على هذه الحملة، واكتفى مصدر مسؤول بالتعليق: "نحن ننفّذ ما علينا بالقانون ولا نهتمّ لمثل هذه الحملات".

إذاً لم يخالف الجيش القانون، حتى ولو تذرّع البعض بتصريح قائد الجيش جوزف عون في آذار الماضي يوم قال إنّه سيخرق القانون إذا كان ذلك يتيح له قبول مساعدات من لبنانيين ومن الخارج "من أجل تأمين الدواء والتغذية والتنقّلات للعسكريين، والاستشفاء والمساعدات المدرسية لعائلاتهم، ويعينهم على الصمود ويخفّف عنهم الصعوبات المعيشية، ويسمح للجيش بتنفيذ مهمّاته".

لكن من يستخدم هذا التصريح لمهاجمة قيادة الجيش والقول إنّ القائد يقدّم نفسه مخالفاً للقانون، ربّما يكون قد ذهب بعيداً، لأنّ جوزف عون قال هذا الكلام على سبيل المبالغة، وردّاً على حملات إعلامية اتّهمته بالفساد. وكان كلامه هذا نابعاً من رغبته في القول لعناصر الجيش إنّ ما يتوارد إلى مسامعهم في هذا الإطار هو مستعدٌّ لتحمّله حرصاً على التقديمات التي يبذل جهده لتوفيرها لهم، طبعاً بالقانون، وتحت القانون، كما يؤكّد العليّة.