المصدر: إرم نيوز
الخميس 10 أيلول 2026 13:23:57
كشف مصدر أمني لبناني لـ"إرم نيوز" أن حزب الله بدأ بإعادة توزيع جزء من بنيته البشرية العسكرية، عبر إخراج مقاتلين من مواقع وتجمعات ثابتة وتحويلهم إلى شبكة موزعة داخل القرى والبلدات، بحيث يعود العنصر إلى حياته المدنية ومهنته ومحيطه الاجتماعي، لكنه يبقى مرتبطاً تنظيمياً بالحزب وقابلاً للاستدعاء عند الحاجة.
وقال المصدر إن التحول لا يعني حل الوحدات أو تسريح عناصرها، بل تغيير شكل وجودها على الأرض، موضحاً أن الحزب يحاول تقليص التجمعات البشرية العسكرية التي يمكن رصدها، بعدما أصبحت المواقع المعروفة والثكنات ونقاط القيادة عرضة للمراقبة والاستهداف.
من جهته، يؤكد مصدر أهلي في جنوب لبنان لـ"إرم نيوز" وجود عناصر كانوا معروفين سابقاً بتفرغهم أو وجودهم في مواقع عسكرية، عاد بعضهم خلال الفترة الأخيرة إلى ممارسة أعمال وحياة مدنية اعتيادية، من دون مؤشرات على انتهاء علاقتهم التنظيمية بالحزب.
وبحسب المصدر، فإن هذا الواقع لا يعني أن القرى أو سكانها أصبحوا جزءاً من البنية العسكرية للحزب، بل على العكس؛ إذ يجد السكان أنفسهم أمام وجود يصعب التمييز فيه بين العنصر الذي أنهى نشاطه العسكري فعلاً والعنصر الذي عاد إلى الحياة المدنية مع بقائه ضمن التنظيم.
وتتقاطع هذه المعلومات مع تحول أوسع في طريقة عمل حزب الله خلال حرب 2026؛ إذ رصدت منظمة "مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة" (ACLED) اعتماد الحزب بصورة أكبر على خلايا صغيرة ومواقع إطلاق موزعة ومشغلين عن بعد، بدلًا من التشكيلات الظاهرة والمواجهة المباشرة.
وفي هذا السياق، انخفضت الاشتباكات المباشرة من 34% من تفاعلاته العسكرية خلال الاجتياح الإسرائيلي في تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2024 إلى 11% بين آذار/مارس وتموز/يوليو 2026.
سقوط المواقع
وتأتي عملية إعادة توزيع المقاتلين بالتزامن مع خسارة الحزب أو تفكيك عدد من منشآته العسكرية، ومع توسع عمليات الجيش اللبناني لحصر السلاح.
وأعلن الجيش اللبناني أن المرحلة الأولى من خطته وصلت إلى "مرحلة متقدمة" جنوب الليطاني، وشملت توسيع انتشاره ومعالجة الأنفاق ومنع "الجماعات المسلحة" من إعادة بناء قدراتها في المناطق التي أصبحت تحت سلطته.
لكن التطور الأكثر دلالة ظهر في مرتفعات علي الطاهر، حيث أعلنت إسرائيل في مطلع أيلول/ سبتمبر السيطرة العملياتية على المرتفعات وتطهير شبكة الأنفاق من مقاتلي حزب الله.
وقال مصدر عسكري لبناني لوكالة رويترز إن القوات الإسرائيلية سيطرت على المداخل الجنوبية للشبكة وأصبحت قادرة على مراقبة مداخلها الشمالية بالطائرات المسيّرة.
وكانت المنشأة تضم، وفق معلومات نشرتها وكالة أسوشيتد برس، مراكز قيادة تحت الأرض ومستودعات أسلحة ومولدات كهرباء وأماكن إقامة وتجهيزات تسمح ببقاء المقاتلين لفترات طويلة.
القادة تحت الأرض
وفي مقابل إعادة المقاتلين العاديين إلى نمط أكثر اندماجاً بالحياة المدنية، كشف المصدر الأمني أن الحزب يتعامل بصورة مختلفة تماماً مع قياداته العسكرية والأمنية حتى عدد من مسؤوليه السياسيين.
وقال إن شخصيات قيادية تعيش في أماكن سرية شديدة التحصين، وتنتقل بصورة متكررة، فيما جرى تشديد القيود على استخدام الوسائل التكنولوجية التي يمكن أن تساعد في تحديد مواقعها.
ويأتي ذلك بعد الضربات التي أصابت هيكل القيادة القديم، فيما تشير معلومات حديثة إلى صعود جيل أصغر لتولي مواقع عسكرية وأمنية.
وذكر مصدر أمني لبناني لـ"إرم نيوز"، في وقت سابق، أن قيادات في الثلاثينيات والأربعينيات أصبحت تدير جانباً من النشاط العسكري والأمني للحزب بعد خسارة قيادات مخضرمة.
وبذلك يتشكل نموذجان داخل التنظيم: مقاتل أقل ظهوراً يعود إلى حياته اليومية ويبقى قابلاً للتعبئة، وقائد يتحول وجوده نفسه إلى ملف أمني تحيط به إجراءات حماية مشددة.
جيش بلا ثكنات
ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي محمد يوسف النور أن "الانتقال من التمركز في منشآت ثابتة إلى الانتشار البشري الموزع يعكس حجم الضغط الذي تعرضت له البنية العسكرية التقليدية لحزب الله، خصوصاً بعدما أصبحت المنشآت ومراكز القيادة أكثر عرضة للرصد والاستهداف".
ويضيف النور لـ"إرم نيوز": "هذا النموذج قد يقلل التجمعات الظاهرة، لكنه يخلق للحزب مشكلة أخرى؛ لأن القوة الموزعة تصبح أكثر صعوبة في الإدارة والمحافظة على الانضباط والجاهزية مقارنة بوحدات تعمل داخل بنية عسكرية مستقرة. كما أن خسارة المواقع والأنفاق ومراكز القيادة لا يعوضها مجرد بقاء المقاتلين".
ويختم النور بالقول: "نحن أمام محاولة للاحتفاظ بالقوة البشرية بعدما أصبحت المحافظة على الشكل القديم للانتشار مكلفة للغاية" مشيرا إلى أن حزب الله لا يتخلى عن المقاتلين، لكنه مضطر إلى التخلي تدريجياً عن جزء من المكان العسكري الذي كان يحشدهم ويجمعهم به.