قاسم يلوّح بالتصعيد.. حزب الله يجهز معركة تعطيل "المرحلة الثانية" شمال الليطاني

كشفت مصادر سياسية لبنانية لـ"إرم نيوز" أن حزب الله بدأ فعليا حملة سياسية وأمنية متدرجة لإجهاض أي انتقال إلى "المرحلة الثانية" من ترتيبات السلاح شمال الليطاني، عبر رفع السقف الإعلامي، وتعميم رسائل تحذير للداخل اللبناني، وإعادة تقديم ملفه باعتباره "قضية وجود" لا ملفا سياديا داخليا. 

وبحسب هذه المصادر، فإن خطاب نعيم قاسم الأخير لم يكن مجرد رد فعل، بل خطوة محسوبة لاستباق ضغط الدولة واللجنة الدولية، وإرسال رسالة مفادها أن الحزب لن يسلّم ما يعتبره "عمق القوة" حتى لو كانت الدولة اللبنانية هي التي تتولى التنفيذ.

في بيروت، لا يُنظر إلى هذا التصعيد بوصفه دفاعا عن "مخاوف أمنية" كما يروج الحزب، بل باعتباره محاولة جديدة لإعادة إنتاج المعادلة نفسها؛ الدولة تتحمل مسؤولية الاستقرار، بينما يحتفظ الحزب بالسلاح باعتباره سلطة موازية تملك حق تعطيل القرارات المصيرية عند أي منعطف، كما تفيد المصادر. 

سقف عال.. لتأجيل الاستحقاق

مصادر سياسية تقول إن الحزب يحاول تسويق فكرة أن نزع السلاح شمال الليطاني سيعني "التصفية"، لكن المشكلة أن هذه الرواية تُستخدم غالبا لإقناع بيئته أولا، وخلق مناخ تخويف داخلي ثانيا، وابتزاز الدولة ثالثا. وبدلا من تقديم مقاربة واقعية تعترف بأن السلاح خارج المؤسسات هو أصل الأزمة، يعيد الحزب وضع نفسه في موقع "الضحية الدائمة"، متجاهلا أن السلاح ذاته كان خلال سنوات سببا في توترات عسكرية وسياسية متكررة دفعت أثمانها الدولة والاقتصاد والمجتمع.

اللافت - كما تقول المصادر -  أن الحزب يرفع شعار "حماية لبنان" لكنه في الواقع يربط استقرار البلد بشروطه الخاصة (وقف الضربات، انسحاب إسرائيلي كامل، ضمانات دولية.. )، ثم يمكن الحديث. في المقابل، لا يقدم الحزب أي ضمانة مقابلة للدولة اللبنانية نفسها؛ فلا جدول زمني، لا تسليم تدريجي، ولا صيغة تدمج السلاح ضمن إطار سيادي. ما يعني أن "المرحلة الثانية" بالنسبة إليه ليست ملفا تفاوضيا، بل فخاً يريد الهروب منه إلى ما لا نهاية.

شمال الليطاني.. خط الدفاع الحقيقي

وفق مصادر متابعة، قبل الحزب عمليا بتخفيف حضوره جنوب الليطاني؛ لأنه يعرف أن تلك المنطقة صارت مكلفة جدا في التوازن الجديد، وأن الإصرار على التمسك بها يعني استنزافا أمنيا متواصلا وفتح الباب أمام مواجهة لا يريدها الآن. لكنه في المقابل يتمسك بشمال الليطاني ليس لأنه "حد الردع"، بل لأنه المساحة التي تمثل قلب بنية الحزب؛ مراكز القرار، المخازن، المسارات اللوجستية، والقدرة على إعادة بناء القوة بعيدا عن العين المباشرة.

تقول المصادر إنه، بهذا المعنى، يصبح شعار "لا للمرحلة الثانية" إعلانا واضحا بأن الحزب يريد من الدولة أن تدير الجنوب كمنطقة عازلة، بينما يضمن هو احتفاظه بالقدرة الكاملة على استعادة حضوره العسكري متى شاء. وهي صيغة لا تشبه دولة ولا تشبه حلا، بل تشبه تسوية مؤقتة تمنح الحزب وقتا إضافيا.

"التصفية قرار".. أم تبرير لتثبيت النفوذ؟

تلفت المصادر إلى مقولة تتردد داخل بيئة الحزب، ويحاول الحزب تعميمها في لبنان، ومفادها أن "قرار تصفيته" قد اتخذ أمريكيا وإسرائيليا، وترى المصادر أن هذا الترويج يبدو في جانب كبير منه محاولة لتبرير الموقف المتصلب. فالتجارب السابقة أثبتت أن الحزب حين يُحاصر سياسيا يلجأ إلى خطاب "الاستهداف الوجودي" لتجنب أي تسوية داخلية تقيّده، ولإظهار أن المطلوب ليس تنظيم السلاح بل "إلغاء المقاومة". 

لكن خصوم الحزب في الداخل يقولون إن المشكلة عكس ذلك تماما، ذلك أن الحزب لا يريد الاعتراف بأن السلاح بات مطلبا دوليا ولبنانيا لإعادة إنتاج الدولة، وأن بقاءه خارج السيطرة الرسمية هو ما يوفر لإسرائيل مبررات التدخل، ويعطي المجتمع الدولي ذريعة لربط المساعدات والسيادة والإعمار بشروط قاسية.

وعلى الأرض، يعطي استمرار الضربات الإسرائيلية للحزب مادة جاهزة لتسويق "التهديد"، لكنه لا يغير السؤال المركزي: لماذا يبقى لبنان رهينة لحسابات قرار عسكري لا تملكه الدولة؟ ولماذا تتحول كل أزمة إلى فرصة يطالب فيها الحزب بمزيد من الاستثناءات بدل الذهاب إلى حل سيادي واضح؟

مؤشرات استعداد

مصادر أمنية لبنانية تقول إن الحزب بدأ مؤخرا يشدد إجراءات الحماية الداخلية ورفع الحساسية تجاه الاختراقات، خاصةً بعد تراكم الضربات النوعية في الفترة الماضية. كما أعاد ضخ خطاب تعبوي يربط أي نقاش حول السلاح بأنه استهداف "أمريكي - إسرائيلي"، في محاولة لمنع تفكك البيئة الحاضنة، وضمان أن معركة المرحلة الثانية تبقى "معركة وجود" لا معركة سيادة.

في المقابل، لا تظهر مؤشرات أن الحزب يريد حربا مفتوحة الآن، بقدر ما يريد الحفاظ على القدرة لمنع فرض أي تغيير جذري على معادلته، فالحزب يستخدم لغة الحرب لتجميد الاستحقاق، لا لتحضير حرب فعلية؛ لأنه يعرف أن تكلفة الحرب بعد مرحلة الاستنزاف والضغط الاقتصادي ستكون مدمرة عليه وعلى لبنان معا، كما ترى المصادر.

معركة تعطيل

تقرأ مصادر سياسية خطاب نعيم قاسم الأخير  بأنه "لا يعبّر عن خوف بقدر ما يعبر عن قرار بالمواجهة السياسية ضد المرحلة الثانية". 

وتلفت إلى أن الحزب يريد تثبيت قاعدة جديدة، تقوم على أن جنوب الليطاني يمكن التفاوض عليه وتفريغه، لكن شماله خط أحمر. وهذه القاعدة عمليا تعني شيئا واحدا، وفقا للمصادر، وهو إبقاء لبنان في منطقة رمادية، دولة ناقصة السيادة، وقرار أمني يتجاوز مؤسساتها، واستقرار معلق على مزاج تسوية مؤقتة لا تنهي أصل المشكلة.