المصدر: إرم نيوز
الثلاثاء 18 آب 2026 14:32:57
كشفت مصادر عراقية خاصة لـ"إرم نيوز" أن التصعيد الذي أطلقته كتائب حزب الله ضد رئيس الوزراء علي فالح الزيدي يمثل "الثمرة الأولى" لزيارة قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني الأخيرة إلى بغداد، والتي حملت رسالة إيرانية تتجاوز منع نزع سلاح الفصائل إلى تهيئتها لمرحلة تصعيد إقليمي جديدة.
وقال مصدر سياسي مقرب من الإطار التنسيقي، إن قاآني نسق مع قيادات الفصائل خطوات سياسية وميدانية لتعطيل مسار حصر السلاح، مع تحذيرها في الوقت نفسه من الانجرار إلى مواجهة مفتوحة مع الحكومة.
وينقل المصدر عن مسؤولين في الإطار التنسيقي، أن قاآني قرر التوجه شخصياً إلى بغداد بعدما تلقى معلومات عن استعداد حكومة الزيدي لإدخال قوات حكومية إلى جرف الصخر، أحد أبرز معاقل كتائب حزب الله، في خطوة كانت ستشكل اختباراً غير مسبوق لسلطة الدولة داخل المنطقة.
يأتي ذلك فيما يستعد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف لزيارة بغداد، الأربعاء، لبحث ملفات يتقدمها حصر سلاح الفصائل والموقف الإيراني من الإجراءات الحكومية، إلى جانب مضيق هرمز والمخاوف من اندلاع جولة جديدة من الحرب في المنطقة.
أولى رسائل قاآني
وبعد أيام من زيارة قاآني، رفع المسؤول الأمني لكتائب حزب الله أبو مجاهد العساف سقف المواجهة مع الزيدي، ملوحاً بالرد وفق مبدأ "العين بالعين"، وواضعاً ثلاثة شروط قبل أي تفاهم بشأن السلاح؛ الانسحاب الأمريكي الكامل، وانسحاب القوات التركية، وحل قوات البيشمركة.
وتنقل هذه الشروط عملياً النقاش من حصر السلاح إلى ملفات تتجاوز قدرة الحكومة على حسمها؛ ما يجعلها أقرب إلى رفع سقف التفاوض منه إلى شروط قابلة للتنفيذ سريعاً.
ويرى الباحث السياسي العراقي الدكتور فراس إلياس، في حديث لـ"إرم نيوز"، أن زيارة قاآني والتصعيد اللاحق لكتائب حزب الله مؤشران على أن طهران "لا تبدو مستعدة في المرحلة الحالية للتخلي عن الورقة العسكرية التي تمثلها الفصائل العراقية".
ويقول إلياس إن استمرار احتمالات اندلاع مواجهة إقليمية جديدة يدفع إيران إلى إبقاء الفصائل في "حالة جاهزية استراتيجية"، من دون أن يعني ذلك دفعها إلى مواجهة مفتوحة مع الحكومة العراقية.
لا تسليم ولا مواجهة
وتنسجم هذه القراءة مع معلومات "إرم نيوز" السابقة بأن قاآني طلب من الفصائل عدم تسليم سلاحها، لكنه حذرها في الوقت نفسه من الصدام مع الحكومة، وحثها على استخدام الضغط السياسي للوصول إلى تسوية.
ويلخص إلياس الاستراتيجية الإيرانية بمعادلة تقوم على "الحفاظ على سلاح الفصائل من دون السماح بانفجار مواجهة عراقية داخلية"، معتبراً زيارة قاآني محاولة لإدارة التصعيد وضبطه لا إطلاقه.
ويضيف: "إيران تريد فصائل مسلحة وقابلة للاستخدام عند الضرورة، لكنها لا تريد أن تتحول هذه الفصائل إلى سبب لخسارة نفوذها السياسي داخل العراق".
وتكتسب زيارة قاليباف المرتقبة أهمية من هذه الزاوية؛ فبعد تحرك قاآني على المسار الأمني والعسكري، تدخل طهران عبر شخصية سياسية رفيعة لمحاولة التأثير في القوى العراقية واحتواء الاندفاعة الحكومية قبل 30 سبتمبر.
ماذا تريد إيران من الفصائل؟
ويحدد إلياس الدور المحتمل للفصائل في حال تجدد الصراع الإقليمي، قائلاً إن طهران قد تطلب منها "أدواراً متدرجة تبدأ بالمحافظة على القدرات الصاروخية والمسيّرات وشبكات الإسناد، وقد تصل، بحسب مستوى التصعيد، إلى الضغط على المصالح والقواعد الأمريكية أو فتح جبهة استنزاف محدودة".
ويؤكد أن قيمة الفصائل بالنسبة لإيران لا تكمن في استخدامها العسكري المباشر فقط، وإنما في بقائها "قوة ردع كامنة" يتعين على خصوم طهران أخذها بالحسبان.
وهذا يفسر حساسية جرف الصخر بالنسبة إلى طهران والفصائل؛ إذ يمثل دخول القوات الحكومية إلى مناطق النفوذ المغلقة انتقالاً من مطالبة سياسية بتسليم السلاح إلى محاولة فعلية لإخضاع البنية العسكرية لسلطة الدولة.
اختبار 30 سبتمبر
في المقابل، تبدو حكومة الزيدي متمسكة بمسارها. وكان ائتلاف إدارة الدولة قد منحها غطاءً سياسياً واضحاً لحصر السلاح، محذراً من التعامل بعد 30 سبتمبر وفق قانون مكافحة الإرهاب مع النشاط المسلح الخارج عن الدولة.
لكن إلياس يرى أن الفصائل تستطيع "عرقلة التنفيذ الكامل" لخطة الحكومة، وإن كانت قد لا تستطيع إسقاط المشروع برمته، لأن الحكومة تمتلك غطاءً سياسياً وقانونياً أوسع، بينما تمتلك الفصائل قوة عسكرية ونفوذاً سياسياً واقتصادياً يجعلان نزع سلاحها بالقوة بالغ الخطورة.
لذلك، لا يتوقع إلياس أن يتحول 30 سبتمبر إلى موعد لنزع شامل وفوري للسلاح، بقدر ما سيكون "بداية لمعركة إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والفصائل"، عبر تقييد السلاح الثقيل والصواريخ والمسيّرات، وضبط حركة التشكيلات المسلحة، ومنع أي قرار عسكري مستقل عن القائد العام للقوات المسلحة.
وهكذا تدخل بغداد الأسابيع الأخيرة قبل المهلة وسط معادلة شديدة الحساسية. فالحكومة تحاول نقل حصر السلاح من الشعار إلى التنفيذ، والفصائل ترفع سقف التهديد، بينما إيران تحاول شراء الوقت.
وبين زيارة قاآني وتحرك قاليباف، تبدو الرسالة الإيرانية أكثر وضوحاً: الاحتفاظ بفصائل قوية بما يكفي لاستخدامها عند الحاجة، ومنضبطة بما يكفي كي لا تفجر العراق قبل أن تبدأ الجولة الإقليمية المقبلة.