المصدر: إرم نيوز
الثلاثاء 3 تشرين الثاني 2026 11:18:23
تستعد الولايات المتحدة لتوسيع دائرة العقوبات المفروضة على شخصيات لبنانية، في تحرك يستهدف هذه المرة مسؤولين في مواقع قضائية وأمنية وعسكرية حساسة، تتهمهم واشنطن بتوفير الحماية لـ"حزب الله"، وتسهيل أنشطته، وعرقلة قرارات الدولة المتعلقة بحصر السلاح، وسط ترجيحات بإعلان دفعة جديدة من العقوبات عقب الانتخابات النصفية الأمريكية.
وكشف مصدر سياسي لبناني مطلع لـ"إرم نيوز" أن الإدارة الأمريكية أعدت قائمة طويلة ومحدثة بأسماء مسؤولين وشخصيات سياسية وقضائية وأمنية، يجري التدقيق في ملفاتهم تمهيداً لإدراج بعضهم تدريجياً على لوائح العقوبات، في إطار توجه يستهدف شبكات النفوذ التي تعتبرها واشنطن مسؤولة عن حماية أنشطة الحزب داخل مؤسسات الدولة.
وأوضح المصدر أن القوائم لم تُحسم بصورة نهائية، لكنها تتضمن أسماء قضاة يشغلون مواقع أساسية، وضباط في أجهزة أمنية وعسكرية، ومسؤولين سياسيين مقربين من الحزب، مشيراً إلى أن العقوبات قد تشمل شخصيات من خارج البيئة الشيعية والتحالفات التقليدية لـ"حزب الله".
قوائم مفتوحة ومناصب حساسة
بحسب المصدر، تتجه المراجعات الأمريكية إلى التركيز على مسؤولين يُشتبه في استغلالهم مواقعهم الوظيفية لتعطيل قرارات حصر السلاح، أو توفير غطاء إداري وأمني وقضائي لأنشطة الحزب.
وتشمل الملفات التي يجري تداولها ضباطاً مكلفين بمراقبة الحدود البرية والبحرية، على خلفية اتهامات بتسهيل مرور شحنات أسلحة، أو التغاضي عن شبكات التهريب، أو عدم إحالة المتورطين إلى القضاء.
كما تتناول المراجعات، وفق المصدر، مسؤولين أمنيين يُشتبه في تقديمهم معلومات حساسة ساعدت الحزب على تسهيل تحركاته وتجنب إجراءات أمنية تستهدف أنشطته.
وأكد أن الاتهامات لا تقتصر على التعاون المباشر مع الحزب، بل تمتد إلى مسؤولين تعتبر واشنطن أن امتناعهم عن تنفيذ قرارات حكومية، أو استخدامهم صلاحياتهم لتعطيلها، أسهم في استمرار نفوذه العسكري والأمني.
ولفت إلى أن توقيت الإعلان المحتمل يرتبط، وفق تقديرات أوساط دبلوماسية لبنانية، بمرحلة ما بعد الانتخابات النصفية الأمريكية، من دون وجود موعد رسمي معلن.
القضاء في دائرة الاستهداف
يمثل الملف القضائي أحد أبرز التحولات المحتملة في العقوبات الجديدة، مع تداول أسماء قضاة تتعلق الاتهامات الموجهة إليهم بالتباطؤ المتعمد في ملاحقة شبكات مالية وأمنية، أو إغلاق ملفات حساسة مرتبطة بالحزب.
وقال المصدر إن واشنطن تركز على ما تعتبره إساءة استخدام للمناصب القضائية، سواء عبر تعطيل الملاحقات أو عدم حسم قضايا تتعلق بالسلاح والشحنات المشبوهة، مشيراً إلى أن بعض الملفات تخضع لمراجعات تتناول طبيعة القرارات المتخذة وأسباب تأخر الإجراءات.
وتبرز قضية متفجرات ضهر البيدر باعتبارها اختباراً حساساً للعلاقة بين السلطات اللبنانية وواشنطن، بعدما تحولت من عملية ضبط أمنية إلى قضية تتصل بمدى قدرة الدولة على ملاحقة الأنشطة العسكرية غير المرخصة.
وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد أثار القضية مباشرة خلال اتصال بالرئيس اللبناني جوزيف عون في 15 أكتوبر، مطالباً بمحاسبة المسؤولين عن إصدار أوامر نقل المتفجرات وتمويل الشحنة وتوجيهها، ومشدداً على ضرورة عدم إعادتها إلى الحزب.
وشهد الملف تطوراً قضائياً مهماً في 30 أكتوبر، مع الادعاء على 13 شخصاً في قضية نقل المتفجرات، بينهم موقوفان، بتهم تشمل حيازة مواد متفجرة وأفعالاً تمس أمن الدولة وسلطتها. غير أن هذه الإجراءات لا تعني أن القضاة المعنيين بالقضية أصبحوا مستهدفين بالعقوبات، إذ لم يصدر إعلان أمريكي يربط أسماء قضائية محددة بالملف.
من العقوبات المالية إلى المؤسسات
لا يبدأ التحرك الأمريكي من الصفر، إذ فرضت وزارة الخزانة في 21 مايو الماضي عقوبات على شخصيات لبنانية، بينها مسؤولون أمنيون وعسكريون في الخدمة، اتهمتهم بتقديم دعم ومعلومات استخباراتية لـ"حزب الله" والمساهمة في ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة.
وشكلت تلك الإجراءات سابقة في استهداف مسؤولين يشغلون مواقع رسمية، بعدما كانت العقوبات تتركز بصورة أساسية على قيادات الحزب وشبكاته المالية والاقتصادية.
ويشير هذا المسار إلى أن واشنطن باتت تتعامل مع مسألة حصر السلاح باعتبارها مرتبطة أيضاً بسلوك المسؤولين المكلفين بتنفيذ القرارات الحكومية، وليس فقط بقدرات الحزب العسكرية ومصادر تمويله.
وبحسب المصدر السياسي، فإن الرسائل الأمريكية إلى بيروت لا تتضمن مطالب علنية بإقالة مسؤولين محددين، لكنها تنقل عبر الاتصالات الدبلوماسية تأكيداً بأن استمرار تعطيل الإجراءات الحكومية قد يرتب تبعات شخصية على المتورطين.
اختبار جديد للدولة
تضع العقوبات المحتملة السلطات اللبنانية أمام تحدٍ يتجاوز آثارها المالية المباشرة، خصوصاً إذا شملت مسؤولين يشغلون مواقع قيادية في القضاء والأجهزة الأمنية.
فإدراج مسؤولين حاليين على اللوائح الأمريكية قد يثير تساؤلات بشأن استمرارهم في مناصبهم، ومدى قدرتهم على التعامل مع المؤسسات المالية والجهات الدولية، إضافة إلى انعكاسات ذلك على التعاون الأمني والقضائي.
وفي المقابل، تبقى العقوبات الأمريكية إجراءات تصدر وفق القانون الأمريكي، ولا تشكل بذاتها أحكاماً قضائية لبنانية أو دليلاً نهائياً على ثبوت الاتهامات.
ويخلص المصدر إلى أن واشنطن تتجه نحو استخدام العقوبات لاستهداف ما تعتبره مفاصل الحماية المؤسسية للحزب، بما يجعل المرحلة المقبلة اختباراً لمدى قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ قراراتها، بعيداً عن الضغوط السياسية والأمنية التي تعرقل تطبيقها.
مرحلة أكثر تشدداً
في هذا السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي اللبناني علي حمادة أن العقوبات الأمريكية على لبنان تدخل مرحلة أكثر تشدداً، في ظل إصرار واشنطن على ربط دعم الدولة اللبنانية بتنفيذ التزاماتها السياسية والأمنية والمالية، وفي مقدمتها حصر السلاح وتجفيف مصادر تمويل "حزب الله".
وحذر حمادة من موجات متلاحقة من العقوبات قد تشمل سياسيين ورجال أعمال وشركات ومؤسسات، وربما شخصيات مرتبطة بالإدارة الرسمية اللبنانية، مشيراً إلى أن التحرك الأمريكي لا يقتصر على ملاحقة شبكات التمويل، بل يرتبط أيضاً بمواجهة النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة.
وخلص حمادة إلى أن واشنطن تنتظر من السلطات اللبنانية إجراءات عملية تتجاوز التعهدات والمواقف السياسية، خصوصاً في الملفات الأمنية والمالية والمصرفية، وأن استمرار التباطؤ في تنفيذ الالتزامات سيبقي الضغوط الأمريكية قائمة، مع احتمال اتساع نطاق الإجراءات العقابية لتشمل جهات وشخصيات إضافية.