المصدر: نداء الوطن
الكاتب: ألان سركيس
الأربعاء 11 آذار 2026 07:08:02
لا يمكن وصف الوضع اللبناني إلا بالخطير جدًا. "حزب الله" يكمل مغامرته القاتلة غير آبه بما سيحلّ بالبلد، في حين يسارع المسؤولون وعلى رأسهم رئيس الجمهورية جوزاف عون لإيجاد حلول عمليّة توقف آلة الحرب.
دفع لبنان منذ عام 1948 ثمنًا باهظًا للصراع العربي - الإسرائيلي، وكانت أراضيه تستخدم منصّة لتوجيه الرسائل الإقليمية والدولية، وشكّل الجنوب صندوق بريد قاتلًا لأحلام الشعب اللبناني. ولو حذا لبنان حذو كل من مصر والمملكة الأردنية الهاشمية لكان وفر عليه الخراب والدمار المتواصل.
كسر الرئيس عون كل المحرّمات أو "التابوهات" التي رسمها محور الممانعة. وطرح في مبادرته الأخيرة إجراء تفاوض مباشر مع إسرائيل برعاية دوليّة بالتزامن مع نزع سلاح "حزب الله"، ولو دخل لبنان منذ انتهاء حرب الإسناد هذه المرحلة لكان أصبح في مكان آخر.
عندما عيّن عون السفير السابق سيمون كرم كمفاوض سياسي قامت القيامة ولم تقعد، وحاولت الدولة اللبنانية تبرير خطوتها على أنها تفاوض غير مباشر وكأنها كانت تخجل من هذا الموضوع.
تبدّلت الظروف اليوم وأخذ "حزب الله" البلاد إلى أتون الحرب والدمار، واستنفر الرئيس عون بوجه "الحزب" ويصرّ على القيام بخطوات حازمة من أجل صون ما تبقى من البلاد. واختار عون الذهاب إلى خطوة تاريخية وهي التفاوض المباشر مع إسرائيل ومن دولة إلى دولة.
من يراجع مسار التفاوض السابق، يرى أن "حزب الله" كان يفاوض حتى بعد عام 2005. فعند حصول صفقة إطلاق الأسرى، فاوض "الحزب" دولة إسرائيل عبر الوسيط الألماني. واحتكر "الحزب" الملف الإسرائيلي، وقد قايض على ترسيم الحدود البحرية عام 2022 عبر الرئيس السابق ميشال عون ومن ثم عبر رئيس مجلس النواب نبيه برّي، وبالتالي كان يتحكّم بهذا الملف إما عبره مباشرةً أو عبر الدولة اللبنانية التي يسيطر على قرارها.
تأتي خطوة الرئيس عون في طرح التفاوض المباشر من دولة إلى دولة لتبدّل نمط التعامل السابق وتكسر احتكار "حزب الله". وتصرّ بعبدا على الاستمرار بمبادرتها التي هي خشبة خلاص للبنان ولا يمكن إنهاء الحرب من دون اتخاذ الخطوات الأربع التي حدّدها الرئيس وأهمها فتح أبواب التفاوض المباشر.
لا تقف بعبدا عند الشكليات، فلا يهمّ مما يتألف الوفد المفاوض، قد يعود السفير كرم إلى مهامه التي بدأها، او قدّ يتمّ إرسال موفد رئاسي آخر للتفاوض، أو يتم تشكيل لجان لأن المواضيع العالقة بين لبنان وإسرائيل كثيرة، وربما قد يتمّ التفاوض عبر وفد وزاري. ويبقى الأساس بالنسبة للبنان هو قبول إسرائيل بهذه الأمر وعندها يصبح شكل الوفد تفصيلًا طالما أن لبنان كسر المحرمات وقرّر الشروع بالتفاوض المباشر.
ووضع عون واشنطن بصورة مبادرته، ويأتي الدعم الأميركي للتفاوض في سياق سياسة أميركية متبعة، إذ إن الرئيس دونالد ترامب يفاخر دائمًا بإيقافه الحروب، وبالتالي يريد تأمين سلام بين دولة لبنان وإسرائيل. وانطلاقًا من الرغبة الأميركية، قد تكون الأمور مسهّلة حينما يتخذ القرار، لكن هذا التفاوض غير مرتبط بسلاح "حزب الله"، لأن الأميركي والإسرائيلي يعتبران أن لا تفاوض على هذا السلاح بل يجب نزعه وإلا لا مفاوضات.
يدخل لبنان مرحلة جديدة من مسيرته في حال قرّر استكمال المفاوضات مع إسرائيل، فلا حلّ للأزمة اللبنانية إذا لم يقفل ملف استخدام أرض لبنان كمنصة لمهاجمة إسرائيل وخدمةً لأجندات خارجية. وفي نهاية المطاف سيصل لبنان إلى هذه المرحلة لأن القرار الأميركي واضح في هذا المجال، وأي تأخير في عدم التوقيع على اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل يعني الغرق في الحروب والنزاعات وإبقاء جرح الجنوب ينزف.