كلفة الحرب الخفيّة: اللبنانيون يدفعون الثمن قبل عاصفة الغلاء

في بضعة أشهر، انتقل لبنان من اقتصادٍ يحاول التقاط أنفاسه، إلى اقتصادٍ مخنوق لا يفصله عن الاختناق الكُلّي سوى مسافةٍ قصيرةٍ من الضغط. لم يكن الهبوط دفعةً واحدة، بل مسارًا متدرّجًا بدأ بانهيارٍ ماليّ دفع الناس إلى اقتصاد التقشّف والبدائل والنجاة اليوميّة، قبل أن تأتي الحرب وتضيف إلى الكلفة طبقةً جديدةً.

ومع تجدّد الحرب واتّساع هامش الخطر، لم تعد الخسائر تُقاس بما يُدمَّر مباشرةً فقط، بل بما يتراكم داخل السلسلة الاقتصاديّة كلّها: حاوياتٌ تتأخّر، بوالصُ تأمينٍ ترتفع، مستودعاتٌ تعمل بكلفةٍ أعلى، مزارعون يخسرون مواسمهم، وصيدليّاتٌ ومتاجر تُعيد تسعير المخزون على أساس ما قد يحدث، لا على أساس ما حدث. هكذا تبدأ كلفة الحرب قبل أن تظهر في مؤشّر التضخّم؛ في الطريق إلى المرفأ، وفي دفتر المستورد، وفي برّاد المستودع، وفي خوف التاجر من الشحنة المقبلة.

من هنا، لا يبدو رقم التضخّم سوى نتيجةٍ متأخّرةٍ لمسارٍ أطول. فما يدفعه اللبناني على رفّ الغذاء أو في علبة الدواء ليس سعر السلعة وحدها، بل حصيلة انهيارٍ ماليٍّ لم يُعالَج، وحربٍ لم تُقفَل، وجولةٍ جديدةٍ من المخاطر تجعل السوق تُسعّر المستقبل قبل أن يصل. وليست هذه المفارقة مجازًا أدبيًّا فقط. ففي منتصف 2025، كان مصرف لبنان يتحدّث عن 11.3 مليار دولار من احتياطيّات النقد الأجنبي، وعن ذهبٍ تُقدَّر قيمته بـ30.28 مليار دولار، في بلدٍ بدأ انهياره عام 2019 وتخلّف في آذار 2020 عن سداد سنداتٍ دوليّة بقيمة 31 مليار دولار. هكذا يبقى لبنان بلدًا يملك من الأرقام ما يكفي ليبدو قائمًا، ومن الانهيار ما يكفي ليعيش سكّانه كأنّهم في اقتصاد نجاةٍ يوميّ.

ما قبل المؤشّر: أين يبدأ الغلاء؟

حين نشرت "المدن" عن ارتفاع التضخّم إلى 17.26%، كان الرقم قد وصل متأخّرًا إلى شاشة الإحصاء. فالتضخّم، كما يراه المستهلك، يبدأ على الرفّ. لكنّه، كما يعرفه المستورد، يبدأ قبل ذلك بكثير: في بوليصة التأمين، وفي أجرة الحاوية، وفي بدل التخزين، وفي سعر المازوت، وفي قرار تاجرٍ صغيرٍ بتسعير البضاعة الجديدة بسعر الحرب قبل أن يبيع آخر صندوقٍ من البضاعة القديمة.

بحسب بيانات إدارة الإحصاء المركزي التي نقلها "كريدي ليبانيه"، ارتفع مؤشّر أسعار الاستهلاك في لبنان سنويًّا 17.26% في آذار 2026، إلى 8,464.31 نقطة، مقارنةً بـ7,218.28 نقطة في آذار 2025، وبلغ متوسّط التضخّم السنوي في الأشهر الثلاثة الأولى من 2026 نحو 13.49%. اللافت أنّ هذا الصعود جاء بعد مرحلة تباطؤ نسبيّ في التضخّم، ارتبطت باستقرار سعر الصرف وبالدولرة الواسعة للأسعار منذ 2023.

هنا تكمن زاوية "ما قبل التضخّم": الرقم الرسمي لا يلتقط لحظة انتقال الكلفة من البحر إلى المرفأ، ومن المرفأ إلى المستودع، ومن المستودع إلى الفاتورة، ثمّ إلى المستهلك. إنّه يلتقط الأثر بعد اكتمال دورته.

الحرب تدخل من بوليصة التأمين

في اقتصادٍ يعتمد بكثافة على الاستيراد، لا تأتي الحرب قذيفةً فقط، بل ملحق تأمين أيضًا. فبحسب "ميرسي كوربس"، بلغت نسبة الواردات إلى الناتج المحلي في لبنان 91.4% عام 2023، ما يجعل أيّ اضطرابٍ في النقل العالمي أو الإقليمي كلفةً داخليّة مباشرة.

ومع اتّساع النزاع في الخليج، سجّلت "رويترز" قفزةً في أقساط التأمين البحري ضدّ مخاطر الحرب، تجاوزت في بعض الحالات 1000%. وارتفعت كلفة التأمين على السفن في مناطق الخطر من نحو 0.25% من قيمة السفينة إلى ما قد يبلغ 3%، أي من حوالى 625 ألف دولار إلى نحو 7.5 ملايين دولار لناقلة قيمتها بين 200 و300 مليون دولار. وهذه كلفةٌ تنتقل، في النهاية، إلى الوقود والقمح والزيوت والدواء والسلع المعلّبة.

بالتوازي، أظهر مؤشّر "درويري" العالمي للحاويات أنّ كلفة الشحن ارتفعت في 7 أيّار 2026 بنسبة 3% إلى 2,286 دولارًا للحاوية قياس 40 قدمًا، بعد ثلاثة أسابيع من التراجع. ولا يعني ذلك أنّ كلّ حاوية آتية إلى بيروت ارتفعت بالكلفة نفسها، لكنّه يعكس مناخًا يتفاوض داخله المستورد اللبناني: سوق شحنٍ متوتّر، رسوم وقود وطوارئ، ومواعيد تسليم أقلّ يقينًا.

وفي الظروف العاديّة، يشتري المستورد الوقت: وصولًا، تخليصًا، نقلًا، تخزينًا، ثمّ توزيعًا. أمّا في الحرب، فيصبح الوقت سلعةً باهظة. فتأخير أسبوعٍ في حاوية غذائيّة يعني تخزينًا إضافيًّا، ورسومًا، واحتمال تلفٍ، وتمويلًا أطول. والتاجر الذي كان يحسب دورته النقديّة على ثلاثين يومًا، قد يجدها ممتدّةً إلى خمسين أو ستّين يومًا، في اقتصادٍ بلا ائتمانٍ رخيص ولا شبكة أمان.

هنا تظهر الكلفة غير المرئيّة. لا يراها المستهلك في كيس الأرز أو علبة الحليب، لكنّها تتراكم داخل السعر: مازوت المولّدات، وأجرة البرّاد، وبدل المستودع، وكلفة الحماية من الانقطاع، وهامش الخوف. وفي لبنان، حيث الكهرباء الرسميّة غير موثوقة والنقل البرّي مرتبط بسعر المحروقات، تحمل كلّ سلعةٍ مستوردة "ضريبة طاقة" غير معلنة.

الغذاء: حين يصبح الطعام مرآةً للصراع

أخطر ما في تضخّم الحرب أنّه لا يضرب السلع بالتساوي. فالخبز والحبوب والزيوت والخضار والحليب والأدوية هي الأكثر حساسيّة، لأنّ الطلب عليها لا يختفي مع ارتفاع السعر. الأسرة لا تتوقّف عن الأكل، بل تقلّل الكميّة، وتبدّل النوعيّة، وتؤجّل احتياجاتٍ أخرى.

وحذّر برنامج الأغذية العالمي في نيسان 2026 من أنّ التصعيد في لبنان يدفع قرابة ربع السكّان نحو انعدام أمنٍ غذائيّ حاد، بفعل تعطّل طرق التجارة، وارتفاع كلفة الوقود والنقل، وزيادة أسعار الغذاء المرتبطة بالنزاع الإقليمي.

كما أشار تقدير "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي"، وفق "رويترز"، إلى أنّ 1.24 مليون شخص في لبنان قد يعجزون عن تلبية احتياجاتهم الغذائيّة الأساسيّة بانتظام. وتضرّر القطاع الزراعي بفعل النزوح وارتفاع كلفة المدخلات وتضرّر الأراضي، إذ نزح أكثر من 76% من مزارعي الجنوب وتضرّر 22% من الأراضي الزراعيّة في الجولة الأخيرة من القتال.

هذا يعني أنّ الغلاء لا يأتي من الخارج وحده، بل من ضغطين متوازيين: كلفة استيراد أعلى، وإنتاج محلّي أضعف. وحين يقلّ المعروض من الخضار والفواكه والمنتجات الطازجة، أو ترتفع كلفة نقله، أو يخشى التاجر انقطاعًا لاحقًا، يرتفع السعر بلا حاجةٍ إلى قرارٍ رسمي.

الأدوية: تسعيرٌ مضبوط وسوقٌ قلقة

يكشف قطاع الدواء بدقّة معنى "ما قبل التضخّم". فالسعر لا يتحرّك دائمًا بسرعة كلفة الاستيراد نفسها، لأنّ وزارة الصحّة تنشر لوائح أسعارٍ رسميّة، وتربط أسعار الأدوية المستوردة بسعر الصرف وكلفة الاستيراد. وتُظهر لوائح عام 2026 تحديثاتٍ متكرّرة، بينها لوائح وفق سعر الصرف في 5 أيّار، و7 نيسان، و11 آذار، و5 شباط، مع تحويلاتٍ للأسعار المستوردة وفق معادلتي "FOB" و"CIF".

لكنّ التسعير الرسمي لا يلغي الأزمة، بل يؤجّل ظهورها. فإذا ارتفعت كلفة الشحن والتأمين والتخزين، وبقي السعر النهائي مضبوطًا، تظهر المشكلة في التأخير، أو النقص، أو تفضيل الأصناف الأعلى هامشًا، أو انتقال الطلب إلى بدائل محلّيّة وغير أصليّة. ويستورد لبنان نحو 70% من منتجاته الصيدلانيّة، وينتج 30% محليًّا، فيما بلغت وارداته الدوائيّة 737 مليون دولار عام 2024، بحسب الدليل التجاري الأميركي المستند إلى أرقام الجمارك اللبنانيّة.

لذلك، لا يحتاج المريض إلى قراءة مؤشّر التضخّم كي يعرف أنّ الأزمة بدأت؛ يعرفها حين لا يجد الدواء نفسه، أو يشتري البديل، أو يطلب منه الصيدلي أن يعود بعد أسبوع.

النقل: المازوت كعملةٍ ثانية

في لبنان، ليست الليرة وحدها مقياس الأسعار؛ فالمازوت عملةٌ ثانية، يدفعها السائق وصاحب المستودع والمستشفى والبرّاد والمخبز والمولّد والمزارع. وكلّما ارتفع الوقود، تحرّكت الأسعار قبل أيّ بيانٍ رسمي.

هذه هي آليّة التضخّم الزاحف: لا يقفز السعر دفعةً واحدة، بل يتسلّل من خانةٍ إلى أخرى. ترتفع أجرة الشاحنة مع المازوت، وكلفة التخزين مع حاجة البرّادات إلى كهرباء بديلة، وكلفة التمويل مع تأخّر البضاعة. ثمّ يصل المنتج إلى الرفّ محمّلًا بطبقاتٍ من الخوف والنقل والانتظار.

والأخطر أنّ هذه الطبقات لا تنخفض تلقائيًّا حين تهدأ الجبهة. فالتاجر الذي اشترى بكلفةٍ عالية لن يبيع بخسارة، والمستورد الذي دفع تأمينًا مرتفعًا لن يمحو الكلفة من دفتره. لذلك تبقى أسعار الحرب في السوق، ولو اختفت بعض أسبابها من العناوين.

لماذا يتأخّر المؤشّر؟

مؤشّر أسعار الاستهلاك يقيس ما دفعه المستهلك في لحظةٍ معيّنة، لا ما دفعه المستورد قبل شهرين. لذلك يوجد دائمًا فاصلٌ زمني بين الصدمة وبين الإحصاء. في هذا الفاصل، تُتّخذ القرارات الحقيقيّة: رفع سعر مسبق، تقليل كميّة العبوة، وقف عروض التخفيض، تخزين بضاعة، أو تسعير على أساس "الكلفة البديلة"، أي كم سيكلّفني شراء البضاعة نفسها غدًا، لا كم كلّفتني أمس.

وهذه النقطة جوهريّة في لبنان. فبعد سنوات الدولرة، لم تعد الليرة وحدها محرّك الأسعار. باتت الحرب العالميّة والإقليميّة، وسعر التأمين البحري، وسعر الحاوية، والمازوت، ومخاطر الطريق، جزءًا من سلّة التضخّم المحلي. إنّها دولرةٌ من نوعٍ آخر: دولرة الكلفة قبل دولرة السعر.

السياسة في قلب الفاتورة

لا يمكن فصل ذلك عن السياسة. فلبنان ليس سوقًا حرّة فوق أرضٍ مستقرّة، بل سوقٌ مستوردة وسط دولةٍ ضعيفة، وحدودٍ متوتّرة، ومرافئ ومطارات ومخازن تتأثّر بكلّ خبرٍ أمني. لذلك تصبح الحرب، حتى حين لا تقطع الطريق مباشرةً، قوّة تسعير.

والنتيجة أنّ اللبناني يدفع ثلاث مرّات: بسبب انهيار 2019، وغياب الإصلاح، وكلفة الحرب. يدفعها في الخبز والبنزين وعلبة الدواء وفاتورة المولّد، وفي تناقص الخيارات على رفّ السوبرماركت.

فالرقم 17.26% ليس بداية القصّة، بل نهايتها الإحصائيّة المؤقّتة. بدأت القصّة قبلها، في سفينةٍ أعادت حساب مسارها، وشركة تأمينٍ رفعت قسطها، ومستوردٍ خاف من الشحنة التالية، ومستودعٍ شغّل مولّداته أطول، وصيدليّةٍ انتظرت دواءً لم يصل، وأسرةٍ أعادت ترتيب سلّتها الغذائيّة.

هذا هو تضخّم الحرب غير المرئي: لا يظهر أوّلًا في نشرة إدارة الإحصاء المركزي، بل في القلق؛ قلق التاجر من الاستيراد، والصيدلي من النقص، وربّة المنزل من الفاتورة، والعامل من راتبٍ يلحق الأسعار متأخّرًا، إن لحقها أصلًا.

وبذلك، لم تعد الكارثة الماليّة حدثًا وقع وانتهى، بل بنيةً يوميّةً تعيد إنتاج نفسها.