كيف أعاد "حزب الله" إنتاج النموذج الإيراني في لبنان؟

لم تعد "ولاية الفقيه" مجرّد إطار دينيّ أو تنظير فكري، بل تحوّلت إلى بنية حكم ونفوذ، تتجاوز الدولة الوطنية وتعمل بمنطق مشروع مفتوح بلا حدود، لا تعيد فقط تعريف السلطة، بل تعيد صياغة مفهوم الدولة برمّته، عبر مركز قرار دينيّ – سياسيّ يتجاوز المؤسّسات الدستورية ويحتكر تحديد الاتجاه والقرار.

هذا النموذج لم ينشأ كمسار تطوّر سياسيّ طبيعيّ، بل كمنظومة حكم عقائدية أعادت ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع، قبل أن تتجه بصورة منهجيّة إلى تصدير نفسها خارج الحدود. ومن خلال شبكة نفوذ مرتبطة بالحرس الثوري، تحوّل الإقليم إلى مجموعة ساحات مترابطة داخل مشروع واحد، تختلط فيه الجغرافيا بالعقيدة، والسلاح بالقرار السياسيّ، إلى اتساع هذا النمط من النفوذ خارج الحدود الإيرانية عبر أذرع محلية متشابكة.

لبنان: من التأثر إلى إعادة الإنتاج

في لبنان، لم يتجلَّ هذا النموذج كأثر خارجي فحسب، بل كعملية إعادة إنتاج داخلية متكاملة عبر "حزب اللّه"، الذي تبنّى بنية "ولاية الفقيه" وكرّسها داخل بيئته السياسية والاجتماعية والتنظيمية.

وفق مصادر جنوبية مطلعة، جرى تحويل التعليم والخطاب الثقافي إلى أدوات تعبئة منظّمة، تقلّصت فيها مساحات التعدّدية الفكرية، وتقدّم فيها معيار "الولاء العقائدي" على حساب الانتماء الوطني. وبهذا، لم تعد المواطنة معيار الانتماء، بل درجة الاندماج في مشروع أيديولوجي عابر للحدود، يُعاد من خلاله ربط القرار المحلّي بمنظومة إقليمية أوسع.

اختلال داخلي 

انعكس هذا المسار بوضوح على الداخل اللبناني، حيث دخلت العلاقات بين المكوّنات السياسية والاجتماعية في حالة توتر مزمن، ظهرت ملامحها في محطات مفصلية منذ عام 2005، من اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، إلى أحداث 7 أيار، ومعركة عبرا، وحادثة الطيونة وهي محطات كشفت بوضوح تداخل القوة المسلحة مع القرار السياسي، واختلال ميزان الدولة.

بالتوازي، تراكمت تداعيات اقتصادية واجتماعية ثقيلة: هجرة متصاعدة للكفاءات، تراجع الثقة بالمؤسسات، واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، مقابل تراجع قدرة الدولة على إنتاج قرار سيادي موحّد.

وهكذا، لم تعد الدولة مرجعية نهائية، بل تحوّلت إلى ساحة تتقاطع فيها ولاءات متعدّدة ومشاريع متنافسة.

ساحات مفتوحة

في المواجهة الجارية في جنوب لبنان، يتأكد أن الصراع لم يعد محليًا بأي شكل. فقد أُدخل لبنان عام 2023 في حرب إسناد لغزة، وفي سياق لاحق لإسناد إيران، ما نقل المواجهة من بعدها الوطني إلى إطار إقليمي مفتوح.

ولم يعد القتال محصورًا بمقاتلي "حزب اللّه" اللبنانيين، بل بات جزءًا من شبكة عابرة للحدود. وقد سُجّل في فترات متقاربة مصرع مقاتلين من جنسيات متعدّدة، بينهم قياديون عراقيون وفلسطينيون، إضافة إلى مقاتلين من دول أخرى، ما يعكس اتساع دائرة الاشتباك خارج الإطار المحلّي.

هذه المعطيات لا تُقرأ كوقائع متفرّقة، بل كمؤشر على بنية قتالية منظّمة تتجاوز الدولة والجغرافيا، وتعمل ضمن منطق عقائدي موحّد يعيد تعريف الحدود والولاءات.

المسألة لم تعد تتعلّق بميزان قوى، بل بتعريف الكيان: هل ما زالت الدولة اللبنانية قادرة على الحفاظ على نفسها كدولة ذات سيادة وقرار مستقل؟ أم أنها دخلت فعليًا في بنية أوسع تتجاوز حدودها، حيث يصبح القرار جزءًا من مشروع إقليمي لا يُدار من داخلها؟