كيف اتسعت منظومة التمويل الرقمي غير الشرعي في لبنان؟

كشف تحقيق أجرته Nominis و Coleven، وهي منظمة غير ربحية تُعنى برسم خريطة البنية المالية لشبكات الإرهاب، عن شبكة لجمع التبرعات بالعملات المشفرة مرتبطة ب"حزب الله"، في مؤشر على تزايد استخدام الأصول الرقمية لدعم عمليات التمويل غير المشروع. إلا أن أهمية التقرير لا تقتصر على النتائج المتعلقة بهذه الشبكة، بل تمتد إلى تسليط الضوء على واقع أوسع يتمثل في النمو السريع لاقتصاد العملات المشفرة في لبنان، والذي يتوسع إلى حد كبير خارج أي إطار تنظيمي رسمي، ما يخلق ثغرات كبيرة أمام السلطات والمتخصصين في الامتثال المالي.

تتبّع التحقيق حساباً مجهول الهوية على منصة X كان يقدّم نفسه على أنه يجمع تبرعات إنسانية للبنان. غير أن الباحثين خلصوا إلى أن التبرعات كانت تُوجَّه فعلياً إلى جمعية “وتعاونوا”، وهي منظمة سبق أن صنّفها باحثون في المصادر المفتوحة على أنها مرتبطة بجهاز الرعاية الاجتماعية التابع لحزب الله.

ولم تعتمد الحملة على عملة رقمية واحدة، إذ أظهرت التحقيقات أنها كانت تستقبل التبرعات عبر عدة شبكات بلوكتشين، من بينها بيتكوين وTRON وXRP، بالإضافة إلى Solana. وفي حين أصبحت عملة USDT على شبكة TRON مرتبطة في السنوات الأخيرة بالعديد من تحقيقات التمويل غير المشروع، فإن استخدام محفظة على شبكة Solana يعكس اتجاهاً متزايداً لدى الجهات غير المشروعة نحو تنويع استخدام شبكات البلوكتشين.

وبحسب Nominis، فإن محافظ جمع التبرعات نفسها لم تستقبل سوى مبالغ متواضعة نسبياً، إلا أن تحليل بيانات البلوكتشين ربط هذه المحافظ بشبكة مالية أوسع تُقدّر الشركة أنها عالجت أكثر من 90 مليون دولار من القيمة التراكمية المسجلة على السلسلة (On-chain). ويرى التقرير أن المحافظ العلنية المخصصة للتبرعات ليست سوى جزء صغير ظاهر من بنية مالية أكبر بكثير.

وربما تكمن أهم نتائج التقرير في جانبها التشغيلي أكثر من المالي. فبرامج الامتثال التي تركز أساساً على بيتكوين و TRON قد تفشل في رصد الأنشطة التي تجري على شبكات أحدث مثل Solana. ومع استمرار تطور منظومة البلوكتشين، بات التمويل غير المشروع يعتمد بصورة متزايدة على عدة شبكات في آن واحد، ما يفرض على المحققين تتبع حركة الأموال عبر منظومات متعددة بدلاً من الاقتصار على العملات الرقمية الأكثر انتشاراً.

انعكاسات أوسع على لبنان
تحمل هذه النتائج دلالات أوسع بالنسبة للبنان. فمنذ انهيار القطاع المصرفي عام 2019، شهد اعتماد العملات المشفرة تسارعاً كبيراً. ومع القيود الشديدة التي أصابت الخدمات المصرفية التقليدية، اتجهت الشركات والمستوردون والعاملون المستقلون وحتى المواطنون العاديون إلى العملات المستقرة، وعلى رأسها USDT، لتحويل الأموال عبر الحدود، وتسوية المدفوعات الدولية، والحفاظ على القوة الشرائية.

وقد أدى هذا التحول السريع إلى نشوء اقتصاد مزدهر للعملات الرقمية يعمل إلى حد كبير خارج إطار تنظيمي شامل. فأصبحت الأصول الرقمية تُستخدم بشكل روتيني في تحويلات المغتربين، وتسوية العمليات التجارية، والمدفوعات بين الأفراد، وحفظ الثروة، في وقت لم تضع فيه السلطات اللبنانية بعد نظاماً متكاملاً لترخيص ومراقبة مزودي خدمات الأصول الافتراضية.

ورغم أن تحقيقات البلوكتشين تتيح غالباً تتبع الأموال أثناء انتقالها بين المحافظ والشبكات المختلفة، فإن التحدي الحقيقي يبقى كما هو: تحويل العملات الرقمية إلى أموال نقدية.


الحلقة المفقودة: البنية التحتية لتحويل العملات المشفرة إلى النقد في لبنان

تنتهي كثير من معاملات العملات المشفرة بالنقد الورقي. فشبكة الوسطاء الذين يحولون العملات الرقمية إلى أموال نقدية تتوسع بسرعة في لبنان، لكنها تعمل إلى حد كبير خارج أي إشراف رسمي، ما يشكل نقطة عمياء كبيرة أمام السلطات الساعية لفهم الحركة الكاملة للأموال.

وخلال زيارات ميدانية أجريت العام الماضي، بدا أن العديد من عمليات تحويل العملات المشفرة إلى نقد كانت تُدار بصورة سرية خلف متاجر تجزئة عادية. ففي عدد من الحالات، وُجدت مكاتب لتداول العملات المشفرة تعمل من الغرف الخلفية لمحال الملابس وغيرها من المحال التجارية، بعيداً عن الأنظار، لكنها كانت تتعامل بشكل علني مع كميات كبيرة من الدولارات النقدية.

ويثير هذا الواقع أسئلة جوهرية:

• من يدير هذه الأنشطة؟
• ما هي ضوابط مكافحة غسل الأموال المعتمدة؟
• ومن أين تأتي السيولة التي تسمح بتحويل كميات كبيرة من العملات المشفرة إلى دولارات نقدية عند الطلب؟

فعلى خلاف المؤسسات المالية المرخصة، يعمل العديد من هؤلاء الوسطاء في بيئة لا تزال فيها متطلبات الإبلاغ، والتزامات الامتثال، والرقابة التنظيمية محدودة أو غير واضحة، رغم أنهم يديرون أحجاماً كبيرة من العمليات يومياً.

وقد خلص تحقيق أجريته شخصياً إلى أن عدداً من هؤلاء المشغلين يبدو أنهم يحتفظون بعلاقات مع شبكات مرتبطة بروسيا تعمل في مجال تحويل النقد إلى العملات المشفرة، ما يشير إلى أن لبنان قد يتحول تدريجياً إلى جزء من منظومة عابرة للحدود تربط بين أسواق النقد والأصول الرقمية. ورغم أن طبيعة هذه العلاقات لا تزال غير واضحة بالكامل، فإنها تثير تساؤلات مهمة حول مصادر السيولة والشبكات الدولية التي تدعم هذه العمليات.

ويُظهر تحقيق Nominis كيف يمكن للأموال أن تنتقل عبر شبكات بلوكتشين متعددة قبل أن تصل إلى محافظ مرتبطة بحملات جمع التبرعات. إلا أن ما يزال أقل فهماً هو ما يحدث لهذه الأموال بعد دخولها إلى الاقتصاد النقدي اللبناني.

وهذه الفجوة بين القدرة على تتبع الأموال على البلوكتشين وبين مرحلة تحويلها إلى نقد خارج السلسلة (Off-chain) قد تمثل إحدى أخطر نقاط الضعف في المشهد المالي الرقمي الناشئ في لبنان.

وتُبرز تحقيقات مثل تقرير Nominis الوجهين المختلفين لثورة العملات المشفرة. فمن جهة، توفر الأصول الرقمية شرياناً مالياً حيوياً لكثير من اللبنانيين الذين تخلى عنهم النظام المصرفي المنهار. ومن جهة أخرى، فإن غياب التشريعات الواضحة والرقابة الفعالة يفتح الباب أمام جهات غير مشروعة لاستغلال البنية التحتية نفسها في جمع التبرعات، والالتفاف على العقوبات، وارتكاب الجرائم المالية.

ومع استمرار اعتماد لبنان بصورة متزايدة على الأصول الرقمية من دون إطار تنظيمي حديث، يتوسع اقتصاد العملات المشفرة بوتيرة أسرع من قدرة الدولة على مراقبته. والنتيجة هي نشوء شبكة مالية موازية تلبي احتياجات اقتصادية مشروعة، لكنها في الوقت نفسه تطرح تحديات متزايدة على صعيد الامتثال، والتنظيم، والأمن الوطني.

قد توفر تقنية البلوكتشين مستوى غير مسبوق من الشفافية في تتبع حركة الأموال، لكن في الاقتصاد اللبناني القائم على النقد، فإن أهم الأسئلة تبدأ غالباً عند النقطة التي ينتهي فيها أثر البلوكتشين.