المصدر: النهار
الكاتب: روزانا بو منصف
الأربعاء 9 أيلول 2026 07:30:51
ثمة مفاعيل داخلية كبيرة وأخرى خارجية لسيطرة إسرائيل على تلة علي الطاهر، لا تتوقف عند "حزب الله" الذي لم يُمنَ بخسارة عسكرية فحسب، بل بهزيمة معنوية بأبعاد سيكولوجية. فالخطاب الذي يعتمده في حملاته ضد الدولة اللبنانية متهما إياها بتقديم تنازلات لـ إسرائيل، سقط سقطة مدوية في ظل تفضيل الحزب إتاحة أن تسيطر إسرائيل على تلة علي الطاهر بدل تسليمها إلى الدولة اللبنانية، علما أنه لم يقصّر في التنازل الأهم على الأرض، وهو ليس التنازل الأول. والخطاب الذي اختبأ وراءه دوما ضمن معادلة "الجيش والشعب والمقاومة" سقط بدوره مع عدم اعتماده على الجيش شريكا يمكن الركون إليه لتسليمه مواقعه وتفضيله تسليمها إلى إسرائيل في ظل ذرائع وتبريرات كارثية ومهينة له يسوقها الإعلاميون الدائرون في فلكه. وهذا أمر مخيف من حيث تفضيل الحزب إعطاء إسرائيل انتصارات مجانية وحجبها عن الجيش اللبناني.
في المقابل، فإن الدولة التي لم تنجح ولو من دون أسباب أو شروح معلنة في إقناع الحزب أو إرغامه على تسلم الجيش تلة علي الطاهر من الحزب، ربما لعدم رغبة الأخير في تسجيل سوابق سيحرج في ضوئها لاحقا، أو لعدم وجود قرار سياسي، أو أيا تكن الاعتبارات، تواجه تحدي تنفيذ التزاماتها لناحية حصرية السلاح في ضوء كل ذلك، ولا سيما مع توجهها إلى مؤتمر في باريس لدعم الجيش اللبناني.
توازيا، تزداد الاسئلة محليا في الدرجة الأولى عن عدم حصول تقدم في أي جانب يتصل بقرار الدولة حصر السلاح وليس فقط في المناطق التجريبية. ويبنى على ما يمكن أن يخرج به هذا المؤتمر التحضيري من أجل رصد مدى التقويم الخارجي لما حققته الدولة اللبنانية وطبيعته الرهانات المعقودة عليها ونجاحها من عدمه، علما أن الخيار الخارجي محسوم لجهة دعم قيام الدولة ومساعدتها في إعادة بناء مؤسساتها، وأبرزها الجيش اللبناني. يضاف إلى ذلك أنه فيما إسرائيل تقوي أوراقها على الأرض وتستمر في التصعيد لتترجمه على الطاولة، ينتظر لبنان بفارغ الصبر تحديد الولايات المتحدة الجولة الثامنة من المحادثات من دون أيّ ضمان بإمكان تحقيق تقدم، بذريعة الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة، ما يزيد مأزق الدولة اتساعا ويفيد خصومها في الوقت نفسه.
يقول رئيس مجلس النواب نبيه بري قبل يومين "إن إسرائيل من خلال مواصلة حربها التدميرية على هذا النحو الدموي غير المسبوق، تثبت بالدليل القاطع أنها لم تلتزم أيّ صيغة من صيغ وقف إطلاق النار، وهي متفلتة من كل القواعد والاتفاقات والتفاهمات". هذا يعني أن إسرائيل لم تلتزم اتفاق الإطار الذي يهاجمه مع الحزب، ربطا بالتمسك بالتفاهم الإيراني - الأميركي، فيما هي لا تلتزم هذا التفاهم أيضا، فتسقط بذلك الذريعة حتى لدى الحزب في تغطية السموات بالقبوات. ولكن ذلك يفتح الباب أمام بحث عن البديل، علما أن اتفاق الإطار لا يزال قائما ودفعت الولايات المتحدة به ولو رمزيا من خلال إطلاق أسرى الأسبوع الماضي، على عكس التفاهم الإيراني - الأميركي.
ولكن يخشى مراقبون كثر في ظل احتمال تراجع أميركي وفق بعض الرهانات وتعنت إسرائيلي وتشبث إيراني، أن يكون "المجهول المعلوم" وفق تعبير ديبلوماسي مخضرم ما يمكن أن يتجه إليه الوضع في لبنان، المرتبط بدوره بتطورات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. فهذه الأخيرة يمكن ان تغري الولايات المتحدة بمطالب معينة، وهي على رغم الخسارة الكبيرة التي باتت توهن الحزب في لبنان، ستستمر في المحافظة على ما تبقى منه من أجل المساومة، حتى لو كانت هذه الورقة قد ضعفت قيمتها إلى أقل من 10 أو 20 في المئة مما كانت، باعتبار أن ذلك يبقى أفضل من لا شيء أو من خسارة مطلقة.
فالتعويل هو دوما على الوقت، على خلفية الرهان على الذهاب إلى تفاهم أمر واقع مضمر لا يعلن عنه أحد، أي تمرير الوقت، علما أن هذا الأمر في غاية الخطورة على الدولة اللبنانية بالذات، أكثر من أي طرف آخر، نتيجة الاستنزاف الذي تواجهه على مختلف الصعد، بحيث يقضي تفاهم أمر الواقع هذا بستاتيكو كارثي في الجنوب مع تكرار إعلان إسرائيل مناطق صفراء أو رمادية وما شابه، بذريعة البقاء حتى نزع سلاح الحزب في كل لبنان وترجمة "حزب الله" رفضه التعاون مع الدولة اللبنانية والتخلي عن سلاحه لمصلحتها، حتى لو كان ذلك يؤدي إلى تسليمه لإسرائيل. ومعلوم أن الإمر قد طرح قبل حرب الإسناد الأخيرة، وقيل للحزب بتسليم سلاحه إلى الدولة لئلا تنتزعه إسرائيل طوعا أو قسرا، من دون أن يتجاوب مع هذه الطروحات.
ويتفق مراقبون في الداخل والخارج على حاجة لبنان إلى ديبلوماسية نشطة واستباقية وعلى استراتيجية لا تبدو واضحة كليا، على رغم الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة، فيما ذلك، على أهميته ومحوريته، لا يكفي وحده.