لبنان: الكرة في ملعب القيادة الشيعية!

حسب آخر المعطيات، لن يتوقف إطلاق النار بين "حزب الله" وإسرائيل في المدى المنظور.


والضغط الأميركي على المستوى السياسي الإسرائيلي بهدف ضبط هجمات الجيش ووقف الضربات على أهداف تقع في مناطق خارج الجبهة الجنوبية لن يستمر طويلاً، على قاعدة أن الحرب منخفضة الوتيرة الراهنة بين إسرائيل و"حزب الله" تلعب في صالح الحزب المذكور وتتسبب يوماً بعد يوم في تقويض قدرة الردع الإسرائيلية، مع ارتفاع الإصابات في صفوف الجنود داخل الحزام الأمني في الأراضي اللبناني، وصولاً إلى القرى والبلدات الإسرائيلية المتاخمة للحدود حيث يواصل "حزب الله" استغلال تكتيك حرب الكمائن والمباغتة التي تشنها خلايا صغيرة من أجل تكبير حجم الخسائر البشرية في الجيش الممنوع حتى اللحظة من الرد بالقوة التي كان يستخدمها قبل أن يقوم الرئيس الأميركي بوضع خطوط حمراء أمام عمليات الجيش الموسعة. هذا أيضاً من شأنه أن ينشر حالة من الإحباط في الجيش الإسرائيلي وأيضاً في أوساط السكان المقيمين في المناطق الشمالية.


إحباط...
ومشهد الضربة يوم أمس في بلدة شوميرا شمال إسرائيل بواسطة مسيرة موجهة بالألياف السلكية التي يبلغ مداها 30 كيلومتراً كحد أقصى وتسبب بإصابة 12 جندياً كانوا يستقلون حافلة عسكرية، سيزيد من إحباط الجنود والضباط، وسيحبط أكثر القيادة الشمالية للجيش في إسرائيل.

لكن حتى الآن لا يزال الرئيس دونالد ترامب مصمماً على ضبط الهجمات الإسرائيلية في لبنان لمنح العملية التفاوضية بين لبنان وإسرائيل فرصة من أجل أن تنطلق في ظروف مقبولة على طريق التوصل إلى صفقة دائمة بين الطرفين. هذه هي المقاربة المرحلية التي تنتهجها الإدارة الأميركية تجاه الحرب الدائرة ضمن ضوابط بين إسرائيل و "حزب الله" في لبنان.

من ناحيته يعتبر الرئيس اللبناني جوزف عون أنه لا يزال ينتظر دعوة من الإدارة الأميركية لإطلاق المفاوضات المباشرة بين البلدين برعاية وزير الخارجية ماركو روبيو. أكثر من ذلك يقول الرئيس جوزف عون إن الملف اللبناني بات على طاولة الرئيس ترامب.
ويلات الحرب
ومن جهة أخرى يصرح الرئيس ترامب باستمرار أنه يدعم لبنان وأن المشكلة تتلخص بـ"حزب الله". لكن القضية لا تتوقف عند هذا الحد، فثمة أسئلة ترتبط بواقع اتفاق وقف إطلاق النار الأخير فيما يواصل الطرفان إسرائيل و"حزب الله" القتال منخفض الوتيرة. وهو إن أدى إلى تقويض قدرة الردع الإسرائيلية بعض الشيء، فهو لا يلغي حقيقة أن الطائفة الشيعية هي أول من يعاني من ويلات الحرب (ومعهم بالطبع بقية المواطنين اللبنانيين). كما النزوح داخل بلدهم مذلة كبيرة والأخطر هو التدمير المنهجي للقرى والبلدات بما سيؤدي إلى نزوح متوسط إلى طويل الأمد تبعاً لموعد انتهاء العمليات العسكرية والتوصل إلى اتفاقات دائمة بين لبنان وإسرائيل. وبما أن الصراع الأميركي مع إيران لم يتوقف وقد يطول، فإن الجبهة اللبنانية ستخضع في مكان ما للقرار الإيراني العامل على إبقائها منصة خدمة لمصالحها عبر ذراعها المحلية، عنينا "حزب الله".

انطلاقاً من هذا المعطى، يمكن تعيين سبب رفض "الثنائي الشيعي" "حزب الله" ورئيس حركة "أمل" ورئيس مجلس النواب نبيه بري للمفاوضات المباشرة والإصرار على القتال بلا أفق، اللهم سوى مزيد من الموت والتدمير والتهجير لأبناء الجنوب اللبناني لاسيما من الطائفة الشيعية. من هنا لا بد من طرح السؤال الآتي: هل من خارطة طريق لحل الأزمة أفضل من المفاوضات المباشرة بدل القتال بلا أفق تحت عنوان استعادة الأراضي المحتلة؟

ما نعرفه هو أن الرئيس نبيه بري لا يرفض المفاوضات. هو يرفض المفاوضات المباشرة. هذا اختلاف تكتيكي وشكلي مع الرئيس جوزف عون، ولا يقدم أو يؤخر في الموضوع. ومنبع هذا التفكير عقلية تعود إلى منتصف القرن الماضي تحكمت بالأنظمة العربية الدكتاتورية المتخلفة. نذكر هنا أن الرئيس الراحل أنور السادات لم يتوقف عام 1977 عند الشكليات من أجل تحرير الأراضي المصرية المحتلة، ونجح بذلك. أما الرئيس بري فيحشر نفسه ومعه البلاد في زاوية ضيقة وغير عملية. فما الفرق بين التفاوض المباشر المعروض برعاية وزير الخارجية الأميركي في واشنطن، والتفاوض غير المباشر الذي حصل برعاية مجند سابق في الجيش الإسرائيلي (أموس هوكشتاين) صار في ما بعد مبعوثاً أميركياً؟

وعليه ننصح رئيس مجلس النواب بتقصير المسافة بين لبنان والحل. بمعنى أننا نطالبه بالتراجع عن موقفه غير العملي الذي ينتمي إلى عصر آخر، أقله من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مصالح البيئة الشيعية ووجودها.

في الخلاصة، طالما استمرّت التبعية لإيران وقراراتها، وما لم يتم إقران القرارات الحكومية المرتبطة بسلاح " حزب الله" غير الشرعي بإعطاء الأوامر للجيش للبدء بتنفيذها، بما يسحب كل المبررات التي يقدمها الإسرائيليون للتوغل في الأراضي اللبنانية، فإن الحل سيبقى بعيد المنال وسيبقى لبنان يدور في دائرة مفرغة!