المصدر: Kataeb.org
الكاتب: زخيا زغيب
الخميس 2 تموز 2026 15:38:25
في لحظة تتداخل فيها تداعيات الحرب مع الانهيار الاقتصادي المستمر، تبدو معيشة اللبنانيين وكأنها تُدار على إيقاع أسعار لا تهدأ. فكل صدمة خارجية تنعكس سريعًا على السوق الداخلية، لكن الأهم أن أثرها لا يتوقف عند حدودها، بل يتحول إلى موجة غلاء شاملة تطال المحروقات والسلع والخدمات الأساسية.
في هذا السياق، يأتي قرار الحكومة تعليق الرسوم المرتبطة بخطة النفايات كخطوة تخفيفية في الاتجاه الصحيح، لأنه يحدّ من إضافة أعباء جديدة على كاهل الأسر التي تعاني أصلًا من تآكل قدرتها الشرائية. غير أن هذه الخطوة، على رمزيتها، تبقى محدودة الأثر إذا لم تُستكمل بسياسات أكثر عمقًا تعالج جذور الأزمة لا نتائجها فقط.
الواقع يشير إلى أن جزءًا من المشكلة لم يعد مرتبطًا فقط بالعوامل الخارجية، سواء تقلبات أسواق الطاقة أو تداعيات الصراعات الإقليمية، بل أيضًا بطريقة عمل السوق الداخلية نفسها. فانتقال الأسعار في لبنان يتم بسرعة عند ارتفاع الكلفة، لكنه نادرًا ما يتراجع بالوتيرة نفسها عند انخفاضها، ما يطرح علامات استفهام حول طبيعة المنافسة وشفافية سلاسل الاستيراد والتوزيع.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى تشديد الرقابة الفعلية على الأسعار، ليس فقط في مرحلة البيع النهائي، بل على امتداد سلسلة التوريد من الاستيراد إلى التوزيع. كما أن معالجة الاختلالات البنيوية في بعض القطاعات تبقى شرطًا أساسيًا لكبح الارتفاعات غير المبررة التي ترهق المستهلك.
وفي موازاة ذلك، تبقى أسعار المحروقات في صلب الأزمة المعيشية، نظرًا لانعكاسها المباشر على كلفة النقل والإنتاج والخدمات. أي معالجة جدية للضغوط التضخمية لا يمكن أن تتجاهل هذا العامل الأساسي، خصوصًا في بلد يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد.
بين إجراءات ظرفية مطلوبة وواقع اقتصادي معقد، يبقى التحدي الأساسي هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة ضبط مسارها. فالتخفيف عن المواطنين لا يتحقق فقط عبر قرارات جزئية، بل عبر سياسة متكاملة تعيد بعض التوازن إلى سوقٍ فقد الكثير من قواعده الطبيعية.
وفي المحصّلة، ورغم أهمية الإجراءات الداخلية الممكنة للحدّ من موجات الغلاء، يبقى من غير الواقعي فصل الأزمة المعيشية في لبنان عن الحرب التي أقحم حزب الله لبنان فيها. فجزء من الضغوط الحالية مرتبط بتوترات إقليمية وصراعات مفتوحة تنعكس مباشرة على كلفة الطاقة وسلاسل الإمداد وأسعار السلع، أمّا الجزء الأساسي فهو حربا إسناد غزة وإيران، اللتان تُكبّدان الاقتصاد اللبناني مليارات الدولارات. لذلك، فإن أي معالجة جدّية لارتفاع الأسعار لا يمكن أن تكتفي بالمعالجات التقنية الداخلية وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى تخفيف عوامل الضغط الخارجية، وفي مقدّمها إنهاء حالة الحرب وحصر السلاح، كمدخل أساسي لتخفيف كلفة المعيشة على اللبنانيين.