لبنان تحت تأثير المهدئات.. القلق يبتلع 17 مليون دولار

لم تعد الحرب في لبنان مجرد غارات وميدان مشتعل عند الحدود، بل تحولت إلى استنزاف بنيوي واقتصادي يطاول العقل والجسد. وفي وقت يرزح فيه البلد تحت وطأة تداعيات عسكرية ونفسية غير مسبوقة، يجد القطاع الصيدلاني نفسه في خط المواجهة الأول لترميم ما أفسدته الآلة الحربية.

بين قراءة ميدانية لنقيب صيادلة لبنان الدكتور عبد الرحمن مرقباوي، وأرقام إحصائية حصرية حصلت عليها "المدن" للعام 2025، تتكشف ملامح "المرض الجماعي" والصدمات النفسية الممتدة في المجتمع اللبناني. الأرقام لا تكذب، إنها الترجمة الاقتصادية الصرفة لمجتمع يشتري "السكينة المؤقتة" من خلف زجاج الصيدليات، أو من المهربين بأكياس "نايلون" سوداء.

 

2.8مليون عبوة لترميم الأعصاب

إذا كان نقيب الصيادلة يلمس تفاقم الحالات النفسية والطلب اليومي الحاد في الصيدليات، فإن البيانات الرقمية الحصرية التي حصلت عليها "المدن" ترفع الستار عن أرقام مرعبة تعكس حجم الكارثة الإنسانية. فقد تخطى إجمالي حجم الإنفاق على أدوية الأعصاب ومضادات الاكتئاب والمهدئات في لبنان عتبة 17.49 مليون دولار أميركي، بمجموع عبوات مُباعة تجاوز 2.81 مليون وحدة خلال عام واحد فقط.

وتظهر الداتا التفصيلية توزيع "فاتورة القلق اللبناني"، إذ جاءت مضادات الاكتئاب من عائلة (SSRI) في طليعة الأدوية الأكثر طلباً وإنفاقاً بمبيعات بلغت 1217890 عبوة، بقيمة إجمالية تخطت 8.37 ملايين دولار. وتلتها المهدئات (Tranquillizers) التي سجلت رقماً ضخماً في حجم الاستهلاك قُدّر بنحو 794680 عبوة، بلغت قيمتها النقدية 2.12 مليون دولار.

في حين استقرت مبيعات مضادات الاكتئاب من عائلة (SNRI) عند 364524 عبوة بقيمة 2.25 مليون دولار، بالتوازي مع تسجيل مضادات الاكتئاب الأخرى وأنواع  (Psycholeptic)استهلاك نحو 409 آلاف عبوة، تكبّد اللبنانيون ثمنها ما يقارب 4.73 ملايين دولار. أما مثبتات المزاج (Mood Stabilisers)، ورغم انخفاض قيمتها المالية المسجلة بـ 3095 دولاراً، فقد سجلت استهلاك 27133 عبوة.

هذه الطفرة الرقمية يعزوها مرقباوي مباشرة إلى أجواء الضغط النفسي الشديد جراء الخوف المستمر على العائلة والعمل والمستقبل المجهول. ومع ذلك، يطمئن النقيب إلى أن فوضى الصرف غير موجودة في هذا القطاع الحساس، إذ تخضع أدوية الأعصاب لرقابة صارمة، ولا يتم صرفها إلا بموجب وصفة طبية رسمية وموثقة من طبيب مختص، لمنع تحول الأزمة النفسية إلى أزمة إدمان جماعي.

 

تهريب السكينة 

لم يكن الوقوف عند عتبة الأرقام الإحصائية كافياً لفهم آليات هذه السوق المذعورة. كان لا بد لـِ "المدن" من ملامسة الواقع الميداني لاختبار الجدار الرقابي الصارم، ورصد منسوب اليأس الذي قد يدفع البعض لتحويل "حبة الدواء" إلى سلعة للمقايضة في بلدٍ ينهشه النزوح وضيق الحال.

في هذا السياق، خاضت "المدن" تجربة استقصائية مصغرة كشفت عن "الممرّات السرية" التي يُخترق بها هذا القطاع الحساس. البداية كانت برصد شاب يتنقل بين الصيدليات مستنداً إلى وصفة طبية شرعية وموثقة للحصول على أحد المهدئات الشحيحة والأكثر طلباً.

كسب ثقة هذا الشاب لم يكن بالمهمة السهلة، سياج القلق والريبة والشك الذي يحيط بـِ "مرضى الأعصاب" جعل المحاولة الأولى للاقتراب منه تبوء بالفشل. تطلّب الأمر مناورة طويلة، وسلسلة من الاتصالات والوساطات والمحاولات المضنية على مدى أيام لإقناعه بأننا لسنا جهة رقابية، بل مجرد "زبائن يائسين" ضاقت بهم السبل لتأمين الدواء لمريض في العائلة بلا وصفة طبية.

بعد كسر الجليد وبناء الثقة، لوّحنا له بالإغراء المالي: 30 دولاراً أميركياً كـَ "كاش فريش" صافٍ، يُدفع له كبديل فوري عن ثمن الدواء وبدل نقله وتعبه. وافق الشاب بعد تردد، ونجحت الـ 30 دولاراً في دفعه لإتمام المهمة. وبدلاً من المغامرة بالتسليم أمام أعين الصيادلة، رتّب الشاب الخطوة الأخيرة بذكاء، ليوصل العبوة الموعودة مباشرة إلى عتبة المنزل، "على البارد المستريح" بكيس نايلون أسود، بعيداً عن أعين الرقابة الميدانية.

تختصر هذه الحادثة حقيقة مريرة. فأمام الضغط المعيشي الهائل، يجد "بزنس القلق" ثغراته دائماً، حيث تتحول الوصفة الطبية الشرعية من أداة علاجية إلى "امتياز تجاري" يُستغل لتأمين السيولة، مفسحةً المجال لظهور سوق سوداء مصغرة تجري صفقاتها في الظل.

 

تعافي الشحن والمضاربة "تحت الطاولة"

وعلى عكس المخاوف الكلاسيكية من انقطاع الإمدادات الدوائية بفعل الحصار أو الأجواء الأمنية، يؤكد مرقباوي أن حركة شحن وتوريد الأدوية إلى لبنان تسير حالياً بسلاسة، وأن المخزون العام في حالة جيدة. قطاع الاستيراد تجاوز المرحلة الأكثر حرجاً، إذ ساهمت عودة بعض خطوط الطيران العالمية، إلى جانب الجسر الجوي المستمر لشركة "طيران الشرق الأوسط"، في تسريع وتيرة دخول الأدوية بانتظام وتغذية المستودعات.

أما في مقلَب الأسعار، فيجزم النقيب بأن الغالبية الساحقة من الصيدليات ملتزمة حرفياً بجدول وزارة الصحة العامة. المفارقة هنا أن الأزمة الحالية لا تكمن في زيادة الأسعار فوق حدها القانوني، بل في لجوء بعض الصيدليات إلى "مضاربة غير مشروعة" عبر خفض السعر الرسمي لامتصاص السيولة من السوق وتوجيه الزبائن نحوها. وهو أمر واجهته النقابة بحزم عبر تحويل المخالفين إلى المجلس التأديبي، حيث صدرت قرارات قضائية بإغلاق عدة صيدليات مخالفة.