المصدر: الراي الكويتية
الخميس 7 أيار 2026 01:41:38
كما المنطقة كذلك في لبنان، ارتسمتْ حالُ انتظار ثقيلٍ لمآلات المحاولة «الأخيرة الجديدة» لاجتراحِ نهايةٍ للحرب مع إيران، إما بانفراجٍ ولو على قاعدة حلٍّ بطيء وإما بانفجارٍ سريعٍ وحاسِم تلوّح به واشنطن لفرْض شروطها على طريقة... آخِر الدواء الكي.
ومع اقتراب ملف إيران من مفترق شديد الأهمية والخطورة سينعطف معه نحو التهدئة أو التصعيد، فإنّ هذا الأمر يعزّز في رأي أوساط واسعة الاطلاع الدور الذي تؤديه المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، باعتبار أنها ترسم إطاراً ناظماً يوفّر «قالباً جاهزاً» لإسقاط نتائج أي «حَرْبٍ أخيرة» مع طهران أو حِبْرِ أي اتفاقٍ معها على الملف اللبناني.
وفي اعتقاد الأوساط أنّ هذا البُعد تحديداً هو الذي يَجعل هذه المفاوضات محط صراع داخلي في بيروت يلامس التطاحنَ السياسي، بدفعٍ خَلْفي وغير خَفي من إيران التي تتعاطى مع لبنان وكأنّه «النووي» الإستراتيجي الذي أتاح لها في العقد الأخير خصوصاً تمدُّداً في الدور لم تعرف له مثيلاً.
وهذه العناصر مجتمعةَ تدخل، وفق الأوساط عيْنها في اعتباراتِ الرئيس اللبناني جوزاف عون، الذي يصرّ على أن تدير «بلاد الأرز» بنفسها وعن نفسها مفاوضاتها مع إسرائيل بوساطةٍ أميركية، قادها دونالد ترامب، شخصياً في الجولة التمهيدية الثانية على مستوى السفراء، وسط محاولة «سيد قصر بعبدا» اجتراحِ مسارٍ متعدد الطبَقة لإقناعٍ الرئيس الأميركي بوجهة نظره المتحفظة عن لقاء بنيامين نتنياهو، إلا تتويجاً لاتفاقٍ أمني وليس افتتاحاً للمفاوضات الرسمية المباشرة، وهو الموقف الذي بات راسخاً رغم أن عون تَقَدّم خطوةً في الساعات الماضية في اتجاه تظهير أن مبدأ اللقاء موافَق عليه ويبقى الخلاف حول التوقيت فقط وما ينطوي عليه من عوامل يمكن أن تشكّل ألغاماً في الداخل اللبناني في حال «حرْق المراحل».
وعلى وقع تقارير تحدثت عن احتمال عقد الجولة الثالثة على مستوى السفراء في واشنطن على مدى يومين متوالييْن منتصف الأسبوع المقبل، مع تسريباتٍ باحتمال أن يشارك فيه أيضاً رئيس الوفد اللبناني إلى اجتماعات لجنة «الميكانيزم» السفير السابق سيمون كرم، وممثل للجيش اللبناني فيها، في محاولةٍ لانتزاع التزام إسرائيلي بوقف كامل للنار كمدخل لانطلاق المرحلة الرسمية من التفاوض والتفاهم على مرجعية هذا المسار وأجندته النهائية، فإنّ لبنان بدا تبعاً لذلك أمام وضعية انتظارٍ مزدوج على مساره التفاوضي:
- الأول إذا كان سينجح في الحصول على وَقْفِ نارٍ فعلي، يسهّل على الدولة الانتقالَ إلى المرحلة الثانية من المفاوضات المباشرة الأعلى مستوى ويخفّف من الأشواك التي تحوط بها وكأنها «أسلاك شائكة» يضعها «حزب الله» خصوصاً.
وفي هذا السياق يَبرز انتظارُ ما إذا كان أي اختراق إيجابي على جبهة إيران من شأنه المساعدة في جعْل ترامب، يزيد من الضغط على تل أبيب لالتزامٍ تام بالهدنة على جبهة لبنان بما يسمح بالمضيّ قدماً بالمفاوضات تكريساً لفَصْلِ المساريْن بين بيروت وطهران، وبما يدفع «حزب الله» في المقابل إلى وقْف عملياته التي خَفَّضَها - تَلازُماً مع حصْر إسرائيل وتيرة اعتداءتها في الجنوب قبل أن تمدّدها بقوة إلى البقاع الغربي - حيث امتنع منذ «هدنة لبنان» عن استهدافاتٍ في اتجاه «حيفا وما بعد حيفا»، والتي تتطلب سلاحاً ذات طابع «إستراتيجي» لم يتوانَ عن استخدامه خلال اشتعال جبهة إيران.
- والانتظار الثاني لردّ فعل الرئيس الأميركي على إصرار الرئيس اللبناني على عدم لقاء نتنياهو، قبل بلوغ اتفاقٍ أمني من أبرز عناصره الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وهو ما كان السفير الأميركي ميشال عيسى، أكد قبل أيام في منشور له أن ترامب، سيمنح الضمانة بإزائه خلال القمة الثلاثية التي لم تتراجع واشنطن عنها، وإن كانت بعد لم تحدّد موعداً لها أو توجه دعوة إليها.
وفي الوقت الذي لم يُعرف إذا كان ترامب، في حال تَفَهُّمه مقاربة عون، سيعمد إلى دعوة الأخير إلى قمة ثنائية في البيت الأبيض أم لا، فإنّ عدم قبول الرئيس الأميركي بـ «الأسباب الموجبة» لإرجاء الرئيس اللبناني اللقاء مع نتنياهو، يفتح البابَ أمام سيناريوهاتٍ قاتمة مدججة بأسئلةٍ من نوع هل يكون ذلك باباً لتعاود من خلاله إسرائيل توسيع عملياتها العسكرية في اتجاه الضاحية الجنوبية لبيروت وربما قلب العاصمة اللبنانية في سياق الضغط بالنار على عون، أم أنّ حرص ترامب، على إنجاح المفاوضات مع طهران سيجعله يُبْقي أيدي تل أبيب مقيّدة على جبهة لبنان.
ولم يكن عابراً ما أكده وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، عن عدم وجود أي مشكلة بين حكومتيْ إسرائيل ولبنان، «والمشكلة الحقيقية تكمن في حزب الله»، موضحاً «أن إسرائيل لا تدّعي أن هناك أراضي في لبنان تعود إليها، وبوجه عام أعتقد أن التوصل إلى اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل أمر قابل للتحقيق في وقت قريب، وينبغي أن يحدث».
وأضاف: «حزب الله المدعوم من إيران يشكل تهديداً مباشراً للشعب اللبناني وإسرائيل على حد سواء».
وأكد روبيو «أَمَلُنا أن تنخرط حكومتا لبنان وإسرائيل تحت وساطتنا على الطاولة لتحقيق الآتي: أن تكون هناك قوات مسلّحة لبنانية، وأن تكون الحكومة لا تملك فقط الرغبة والإرادة بل القدرة للبدء بتحدي حزب الله ونزع سلاحه، لأن الشعب ايضاً ضحية الحزب».
وتابع «مَن يقف وراء الحزب ولماذا هو موجود؟ هو عميل لإيران... إذا نظرتَ إلى الشرق الاوسط وحددتَ كل مشكلة، ستجد حماس، حزب الله، وإلى حد ما الحوثيين، وغيرهم. ووراء كل من هذه المجموعات طهران. ولذا بمعزل عن السلاح النووي والأمور الأخرى، فإن إيران خلف كل الجهات الفاعلة السيئة... حزب الله جناحٌ وامتدادٌ لرغبة طهران في زعزعة استقرار المنطقة. ولذا نحن ملتزمون جداً هذه العملية (التفاوضية بين لبنان وإسرائيل)، ولن يكون الأمر سهلاً، وسنبذل قصارى جهدنا لضمان ان يستمر الحوار بين الطرفين كي يتسنّى إحراز تقدم نحو اتفاق وقف نار دائم لا يتعرّض للتخريب المستمر من حزب الله وعنفه».
صون وحدة الوطن
وفيما أعلن عون، لمناسبة السادس من ايار، ذكرى شهداء الصحافة، «أن أولويتنا هي صون وحدة هذا الوطن، وحماية سيادته، والعمل على إنهاء المعاناة التي يرزح تحتها شعبنا، والوفاء للشهداء يكون ببناء دولةٍ قوية، عادلة، وقادرة على حماية أبنائها»، برزت مواقف لرئيس الحكومة نواف سلام، الذي كان زار قبل الظهر رئيس البرلمان نبيه بري، على وقع معطياتٍ عن تبريدٍ حصل في علاقة الأخير مع رئيس الجمهورية بعد التوتر الأعلى على خلفية ملف التفاوض المباشر مع إسرائيل.
وإذ أبلغ بري قناة «الجزيرة» أن العلاقة بينه وبين رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء «متينة ومهمة لتثبيت الاستقرار»، مشيراً إلى أنَّ «العلاقة جيّدة مع الرئاسة الأولى ونكنُّ الاحترام للرئيس عون»، و«لدينا أمل أن تصل المفاوضات الإيرانية - الأميركية لخاتمة إيجابية قريباً»، أكد سلام، كما نقلت عنه «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية أن «الحديث عن أي اجتماع محتمل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي لايزال سابقاً لأوانه»، معلناً أن «أي لقاء رفيع المستوى مع الجانب الإسرائيلي يتطلب تحضيراً كبيراً».
وأوضح أن لبنان لا يسعى إلى «التطبيع مع إسرائيل، بل إلى تحقيق السلام»، مذكّراً بأن هذه«ليست المرة الأولى يخوض فيها لبنان مفاوضات مباشرة مع إسرائيل».
وقال إن «الحد الأدنى من مطالبنا هو جدول زمني لانسحاب إسرائيل وسنطوّر خطة حصر السلاح بيد الدولة».
«حزب الله»
في المقابل، رَفَعَ «حزب الله» بلسان نائبه إيهاب حمادة، مستوى التهديد في وجه الدولة، محذراً من أن «أي لقاء بين رئيس الجمهورية اللبنانية ورئيس الحكومة الإسرائيلي سيكون توديعاً للبنان الذي نعرفه، لأنه يشكل خرقاً للميثاقية على المستوى الدستوري وتمزيقاً لاتفاق الطائف، وسيشكل تحالفاً بين جزء من اللبنانيين المتمثل بالسلطة وإسرائيل لقتْلنا وليس لتحرير لبنان انما لإلغائه، وسنواجهه كما نواجه الإسرائيلي تماماً وبكل الأساليب».
في موازاة ذلك، وعلى وهج تصعيد إسرائيلي خطير ومتدحرج في الميدان بلغت معه إنذارات الإخلاء قرى في البقاع الغربي قبل استهدافاتٍ دموية كما في زلايا حيث aسقط رئيس بلديتها علي قاسم أحمد، وثلاثة من أفراد عائلته، فيما أُصيب ثلاثة آخرون بجروح، في موازاة عمليات قصفٍ طاولت قضاء صيدا (السكسكية)، قال رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، خلال جولة له في جنوب لبنان «لن نتراجع في لبنان حتى ضمان الأمن والوصول لحل طويل الأمد لبلدات الشمال».