لبنان ليس ساحة للحروب ولا ورقة في صراعات الآخرين

كتب المحرر السياسي:

يقف لبنان أمام لحظة سياسية ووطنية شديدة الحساسية، بعدما عاد شبح الحرب والتصعيد ليخيّم على المشهد الداخلي، في وقت يحاول فيه البلد الخروج من أثمان حروب متتالية دفع اللبنانيون وحدهم كلفتها من أرواحهم وأمنهم واستقرارهم واقتصادهم. وفي هذا الظرف تحديداً، لا يمكن التعامل مع التهديدات بإعادة فتح الجبهات وكأنها موقف سياسي عابر، بل باعتبارها تهديداً مباشراً لما تبقى من استقرار لبنان ولمسار استعادة الدولة قرارها وسيادتها.

إن خطر إعادة توريط لبنان في الحرب يأتي في توقيت بالغ الدقة، ولا سيما مع اقتراب انتهاء مدة مذكرة التفاهم الإيرانية – الأميركية، وما رافق ذلك من تهديدات صادرة عن الأمين العام لحزب الله، توحي بمحاولات إبقاء لبنان في دائرة التصعيد وربطه مجدداً بتطورات إقليمية لا يملك اللبنانيون أي قدرة على التحكم بها. فبعد سنوات من الانهيار والدمار والنزوح والتراجع الاقتصادي، لا يملك لبنان ترف العودة إلى سياسة المحاور ولا القدرة على تحمّل مغامرة عسكرية جديدة تُتخذ قراراتها خارج المؤسسات الدستورية للدولة.

الأخطر أن هذه التهديدات تترافق مع مؤشرات واضحة على استمرار التعاطي الإيراني مع لبنان كساحة نفوذ وصراع. وما كشفه رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف عن استمرار تواصله المباشر مع مقاتلين في الخطوط الأمامية في لبنان يشكل دليلاً إضافياً على عمق التدخل الإيراني في الشأن اللبناني، وعلى أن القرار المتعلق بالسلاح والحرب لا يزال، في جانب منه، مرتبطاً بمصالح إقليمية تتجاوز المصلحة اللبنانية المباشرة.

وهنا تكمن جوهر المشكلة: لبنان لا يمكن أن يكون دولة كاملة السيادة إذا بقي قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها، ولا يمكن أن يستعيد عافيته الاقتصادية والاجتماعية فيما يحتفظ طرف سياسي بقدرة منفردة على فتح الجبهات أو إغلاقها. فكل تهديد بالحرب لا يهدد طرفاً سياسياً بعينه، بل يهدد اللبنانيين جميعاً، من سكان القرى الحدودية إلى أصحاب المؤسسات والمصانع والمزارعين والطلاب والعائلات التي لم تعد تحتمل موجة جديدة من النزوح والانهيار.

إن إبقاء السلاح خارج سلطة الدولة لا يوفر للبنان الحماية، بل يعرضه لمخاطر إضافية. فالتجارب السابقة أثبتت أن السلاح غير الشرعي لا يمنع الاحتلال، بل يمكن أن يكون مدخلاً إلى توسّعه وإلى تدمير المناطق اللبنانية واستنزاف الدولة والمجتمع. وكلما أصبح قرار استخدام هذا السلاح منفصلاً عن القرار الوطني الجامع، ازدادت احتمالات تحويل لبنان إلى ساحة مواجهة بالوكالة، يدفع اللبنانيون ثمنها فيما يقرر الآخرون مسارها ونتائجها.

من هنا، تقع على عاتق السلطة التنفيذية مسؤولية تاريخية لا تحتمل التأجيل. فالقرارات التي اتخذتها الدولة في شأن حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية يجب أن تنتقل من مستوى الإعلان السياسي إلى مستوى التنفيذ الفعلي، عبر اتخاذ كل الإجراءات الدستورية والقانونية والأمنية اللازمة لضمان أن يكون السلاح والقرار العسكري حصراً في يد الدولة اللبنانية.

هذه ليست معركة سياسية مع فريق لبناني، ولا محاولة لإلغاء أي مكوّن من مكونات المجتمع، بل هي معركة من أجل تثبيت مفهوم الدولة نفسه. فحماية لبنان لا تكون بإبقائه رهينة احتمالات الحرب، بل بإعادة القرار الوطني إلى مؤسساته، وبمنع أي جهة، لبنانية كانت أم خارجية، من امتلاك القدرة على جر البلاد إلى مواجهة لا يقررها اللبنانيون ولا يملكون ثمنها.

لقد حان الوقت لأن يكون لبنان دولة لا ساحة، وأن تكون مصلحة اللبنانيين فوق أي حساب إقليمي. فالسيادة ليست شعاراً، وحصر السلاح بيد الدولة ليس تفصيلاً سياسياً، بل هو المدخل الوحيد لمنع تكرار الكارثة، وحماية الاستقرار، وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي واستعادة ثقة اللبنانيين والمجتمع الدولي ببلدهم.

إن لبنان الذي أنهكته الحروب يحتاج اليوم إلى دولة تحميه، لا إلى جبهة جديدة تُفتح باسمه. والقرار الذي يجب أن يكون واضحاً هو أن زمن استخدام لبنان كورقة في صراعات الآخرين يجب أن ينتهي، وأن حماية البلد تبدأ من حماية قراره الوطني وسيادته ومنع تكرار دوامة الحرب التي لم يحصد منها اللبنانيون سوى الخسائر.