المصدر: أساس ميديا
الكاتب: خيرالله خيرالله
الخميس 20 آب 2026 07:22:48
ثمّة حاجة لبنانيّة إلى التوقّف مليّاً عند تجربة غزّة، التي هي تجربة السلاح غير الشرعيّ الذي يغطّيه شعارا “المقاومة” و”الممانعة”. من مصلحة لبنان السعي إلى تفادي تلك التجربة الدمويّة الفاشلة بدل العمل على نقلها إلى البلد، خصوصاً بعدما جعل الإسرائيليّ غزّة أرضاً طاردة لأهلها.
يختزل اللقاء، الذي عقده خليل الحيّة رئيس المكتب السياسيّ لحركة “حماس” في مصر مع المبعوث الأميركي جاريد كوشنر، مأساة القطاع الذي دمّرت إسرائيل القسم الأكبر منه. بقدرة قادر، صار كوشنر يلعب، في أيّامنا هذه، دور المنقذ بالنسبة إلى “حماس”!
المفارقة أنّ المبعوث الأميركيّ الذي التقى الحيّة وآخرين من قيادة “حماس” متزوّج من ابنة الرئيس دونالد ترامب. كوشنر نفسه طرح أصلاً خطّة تحويل غزّة، بعد خروج أهلها منها طبعاً، إلى منتجع سياحيّ كبير وراقٍ، على نسق الريفييرا الفرنسيّة. كان ذلك بُعيد عودة ترامب إلى البيت الأبيض وبُعيد الردّ الإسرائيليّ ذي الطابع الوحشيّ على هجوم طوفان الأقصى.
ليس ما يدعو إلى الشماتة بحركة كانت ترفع شعارات من نوع “تحرير فلسطين من البحر إلى النهر” و”فلسطين وقف إسلاميّ”، كما كانت تعتقد أنّ في استطاعتها وراثة السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة وما بقي من “فتح”. يتعلّق الأمر، بمشروع سياسيّ أدّى الغرض المطلوب منه إن في خدمة اليمين الإسرائيليّ وإن في مجال تكريس الانقسام الفلسطينيّ. جاء الآن دور كوشنر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشروع “حماس” التي تبدو مستعدّة لتسليم سلاحها مقابل ضمانات تسمح لها بالبقاء حيّة سياسيّاً في مرحلة لاحقة.
بين غزّة والجنوب
توجد فوارق كثيرة بين غزّة وجنوب لبنان. لكنّ ذلك لا يمنع التوقّف عند نقاط معيّنة تجمع بين الحالتين، خصوصاً أنّ الراحل حسن نصرالله، ارتكب على الصعيد اللبنانيّ الخطأ ذاته الذي ارتكبه يحيى السنوار، الذي كان زعيم “حماس”، في غزّة. فتح نصرالله جبهة جنوب لبنان في اليوم التالي لـ”طوفان الأقصى”، رافعاً شعار “إسناد غزّة” من دون أيّ تقدير لردّ فعل الدولة العبريّة ومعنى تهجير نحو سبعين ألف إسرائيليّ من سكان الجليل من منازلهم.
من أجل تفادي وصول لبنان إلى مرحلة الاستعانة بشخص مثل كوشنر، من المفيد إدراك أنّ النقطة الأهمّ التي تجمع بين غزّة وجنوب لبنان هي نقطة الانسحاب الإسرائيليّ والإصرار لدى “الحزب” و”حماس” على عودة الاحتلال.
نفّذت إسرائيل انسحاباً كاملاً من جنوب لبنان في أيّار من العام 2000. رفض “الحزب”، ومن خلفه إيران، الاعتراف بالانسحاب الذي أكّدت الأمم المتّحدة حصوله استناداً إلى القرار الرقم 425 الصادر عن مجلس الأمن. اختلق “الحزب” وآخرون ذرائع عدّة، من نوع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا من أجل الاحتفاظ بالسلاح. كانت النتيجة بقاء الجنوب رهينة لدى “الحزب”، أي لدى إيران، وبقي أهل جنوب لبنان في وضع لا يحسدون عليه وصولاً إلى حرب “إسناد غزّة” ثمّ حرب “إسناد إيران”.
في غزّة انسحب الإسرائيليّ في مثل هذه الأيّام من العام 2005. أصرّت “حماس” على الاحتفاظ بسلاحها. حوّلت القطاع إلى قاعدة تطلق منها الصواريخ بدل العمل من أجل أن يكون نواة لدولة فلسطينيّة مستقلّة مسالمة. أكثر من ذلك، استخدمت “حماس” السلاح لتنفيذ انقلاب منتصف العام 2007 الذي مهّد لإقامة “إمارة إسلاميّة” على الطريقة الطالبانيّة، نسبة إلى طالبان، في غزّة المحاصَرة.
السّلاح يعيد الاحتلال
في الحالين اللبنانيّة والغزّيّة، لعب السلاح المتفلّت الذي في حوزة “الحزب” و”حماس” دوره في عودة الاحتلال. لم تجد “حماس”، في ضوء فشل مشروعها، غير الارتماء في حضن جاريد كوشنر الذي يدعو إسرائيل، ممثّلة بنتنياهو، إلى قبول النقاط الـ15. هذه النقاط طرحها “مجلس السلام” الذي شكّله ترامب ووضع على رأسه نيكولاي ملادينوف وزير الخارجيّة البلغاريّ السابق المعروف بقربه من الإدارة الترامبيّة وعلاقته الجيّدة بإسرائيل.
تظلّ تلك النقاط، التي رفضتها الدولة العبريّة، خريطة الطريق الوحيدة التي يمكن أن تؤدّي إلى انسحاب من غزّة شرط تخلّي “حماس” عن سلاحها. اتّفق كوشنر ونتنياهو في شأن هذه النقطة المتعلّقة بالسلاح في لقائهما الأخير الذي تلا مباشرة لقاء المبعوث الأميركيّ مع وفد “حماس”.
فصل المسار الإسرائيليّ عن الإيرانيّ
لم يصل لبنان بعد إلى حال الارتماء في حضن كوشنر التي بلغتها “حماس”. يعود ذلك إلى وجود سلطة لبنانيّة ممثّلة برئيس الجمهوريّة جوزف عون ورئيس مجلس الوزراء نوّاف سلام تقف في وجه سلاح “الحزب” الذي تسبّب بعودة الاحتلال. استطاع لبنان بفضل رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة وكفاءة الوفد المفاوض (سيمون كرم والسفيرة ندى حمادة معوّض) فصل مساره مع إسرائيل عن المسار الإيرانيّ وكارثة مذكّرة التفاهم الأميركيّة – الإيرانيّة التي هي نتاج مسار إسلام آباد واللقاء الذي انعقد في سويسرا.
يبقى عامل الوقت مهمّاً في مرحلة يدعم جناح في الإدارة الأميركيّة، على رأسه وزير الخارجيّة ماركو روبيو، تكريس فصل المسار اللبنانيّ عن إيران. لكن لا بدّ من التنبّه إلى حال من الضياع في واشنطن مع اقتراب موعد الانتخابات النصفيّة في تشرين الثاني المقبل. ليس مستبعداً خسارة الجمهوريّين الأكثريّة في مجلس النوّاب نتيجة الانتخابات مع ما يعنيه ذلك من إرباك للإدارة الترامبيّة.
في المقابل، ليس ما يشير إلى تغيير كبير محتمل في السياسة الإسرائيليّة، بقي نتنياهو على رأس الحكومة أم لم يبقَ. سيظلّ لبنان في مواجهة مع سلاح “الحزب” وسيظلّ عليه العمل من أجل معرفة الثمن المطلوب إسرائيليّاً… في حال كان يريد بالفعل التخلّص من الاحتلال.