المصدر: النهار
الكاتب: روزانا بو منصف
الجمعة 3 تموز 2026 08:33:02
يعتقد البعض أن لجنة المراقبة التي نص عليها اتفاق الهدنة، ولا تزال قائمة، تبقى ملجأ بديلا، أقله من حيث المبدأ، في انتظار تبلور الاتجاهات جنوبا.
من المآخذ الذي سجلها البعض على الاتفاق الإطاري أنه لم يأت على ذكر القرار 1701 الذي اعتُمد بعد حرب تموز 2006، ويُعتقد أنه أدى إلى ضمان أمن الجنوب وعلى الحدود مع إسرائيل حتى8
تشرين الأول 2023 حين شن “حزب الله” الحرب على إسرائيل تحت عنوان إسناد غزة . وكان اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 الذي فاوض فيه رئيس مجلس النواب نبيه بري أصالة عن الحزب ونيابة عن لبنان، استند إلى القرار 1701 كما إلى القرار 1559 الذي يطالب بحل جميع الميليشيات في لبنان. هذا الاتفاق حصر السلاح في أيدي القوى الشرعية اللبنانية من أعلى الهرم إلى أسفله.
والحال أن القرار 1701 كان عزز مهمات القوة الدولية في الجنوب المنشأة منذ عام 1978، وفي 28 آب من العام الماضي ،اعتمد مجلس الأمن بالإجماع القرار 2790 الذي يمدد ولاية قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل) للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026. ودعا القرار البعثة إلى “بدء عملية سحب منظمة وآمنة اعتبارا من هذا التاريخ وفي غضون عام واحد”. وفيما كان البحث جاريا قبل 2 آذار- تاريخ إدخال الحزب لبنان في حرب جديدة على إسرائيل إسنادا لإيران- في البدائل المحتملة، عُرض بعضها أخيرا في الأمم المتحدة، في وقت تتولى فرنسا قيادة مساع لإنشاء قوة أوروبية تحل محل القوة الدولية، علما أن شروط قيام قوة دولية على الحدود مرتبطة إلى حد كبير بمن سيمسك الأوراق جنوبا في المرحلة المقبلة.
وفي ظل اتفاق إطاري بين لبنان وإسرائيل ومفاوضات ووضع الخطوط العريضة لما سيكون عليه مسار الأمور أقله في الجنوب اللبناني، يبدو لبنان كأنه خرج من عباءة الأمم المتحدة وقراراتها، إذ لا “يونيفيل” ولا قرار 1701 يتم العمل بموجبه، ولو نظريا، علما أن هذا القرار وكل القرارات الأممية، على أهميتها والإجماع الذي حصلت عليه عند إقرارها، لم تنفذ فعليا. ولو نفذت، لكانت وفرت على لبنان العذابات، ما جعل الرهان عليها ضعيفا مع الوقت لكونها لم تساهم في منع أيّ حرب، وأخذ عليها عدم تسجيلها الأنفاق التي حفرها الحزب في أماكن سيطرتها.
هذه القرارات، كما وجود “اليونيفيل”، كانت جميعها مظلة للبنان لا غنى عنها لضمان حمايته ومصالحه والإجماع الدولي الذي يحتاج إليه في أزماته. وفي ضوء ذلك، تُطرح تساؤلات تتصل أولا بما لا يكف المسؤولون الإسرائيليون عن إعلانه، على رغم توقيع الاتفاق الإطاري مع لبنان من أجل إعادة انتشار للجيش الإسرائيلي خارج الحدود اللبنانية، عن بقاء القوات الإسرائيلية في منطقة عازلة في الجنوب حتى تفكيك “حزب الله”. وهذا أمر يطيح عمليا اقتراحات أو استعدادات فرنسية وأوروبية، علما أن الدول المعنية تسعى إلى المساهمة في ترتيبات جنوبا تجعلها شريكة في ضمان الأمن بين لبنان وإسرائيل. وتاليا، فإن إمساك إسرائيل بالأرض في الجنوب لن يجعل وجود أي قوة بديلة من “اليونيفيل” ممكنا، وسيستغرق الأمر وقتا إضافيا أبعد من نهاية السنة لتفكيك منشآتها، من دون أن يكون لديها أي صلاحية أو دور إبان ذلك.
وكانت الولايات المتحدة قد دخلت بقوة على خط إنهاء مهمات “اليونيفيل” جنوبا وعدم التمديد لها بعد نهاية السنة الجارية، عدا عن واقع تهميش واشنطن المنظمة الدولية ووكالاتها إلى حد كبير ووقف دعمها المالي لها. ويعتقد البعض أن التصريحات الإسرائيلية المرتفعة السقوف موجهة أكثر إلى الداخل الإسرائيلي على عتبة الانتخابات المرتقبة في الخريف، فيما أكد السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون قبل يومين أن إسرائيل “لا ترغب في البقاء في جنوب لبنان وليس لديها أيّ مطالبة بالأراضي اللبنانية”، لكنه ربط “أي انسحاب إسرائيلي بقدرة الجيش اللبناني على فرض سيطرته ومنع الحزب من إعادة التموضع جنوبا “. وهذه ذريعة قد تستثمر طويلا.
توازيا، يواصل مجلس الأمن مناقشة المراجعات التي يقدمها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للقرارين 1701 و1559، ما يجعل للدول المشاركة رأيا وتأثيرا إزاء الواقع في لبنان. وهنا يبرز السؤال عن الخيارات المتاحة لاستبدال “اليونيفيل” غير الاحتمالات الثلاثة التي قدمها غوتيريش مطلع حزيران، والتي تقيم في جوهرها وبنسب متمايزة قوة مراقبة دولية في الجنوب معززة بقدرات حمائية.
والحال هذه، في أيّ اتجاه ستدفع الدينامية التفاوضية بين لبنان وإسرائيل من جهة، وعلى المسار الأميركي- الإيراني من جهة أخرى؟ وهل الولايات المتحدة ترى ضرورة لقوة دولية في الجنوب بصلاحيات مختلفة عن “اليونيفيل”، أو تعيد النظر في مسألة التمديد بدلا من الاعتماد على قوة أوروبية بناء على إعلان فرنسا وإيطاليا في 25 حزيران أنهما ستتشاركان قيادة “تحالف دولي لدعم لبنان في مرحلة ما بعد اليونيفيل”، في وقت أبعدت الولايات المتحدة فرنسا عن أي علاقة بالمفاوضات ولجنة “الميكانيزم” في الجنوب؟
إذا لم تبقَ “اليونيفيل” ولم تنجح فرنسا ودول أوروبية في مسعاها، يعتقد البعض أن لجنة المراقبة التي نص عليها اتفاق الهدنة، وهي لجنة لا تزال قائمة، تبقى ملجأ بديلا، أقله من حيث المبدأ، في انتظار تبلور الاتجاهات جنوباً.