المصدر: المدن
الكاتب: إبراهيم الرز
الأحد 14 حزيران 2026 07:40:44
رفض حزب الله لورقة إعلان النيّات بين لبنان وإسرائيل في واشنطن لا يرتبط فقط ببنودها التقنية. صحيح أن الورقة الأوليّة ليست اتفاقاً نهائياً، وأنّها تتضمن نقاط ضعف أساسية، أبرزها غياب جدول زمني واضح وملزم للانسحاب الإسرائيلي من المناطق المحتلة في الجنوب. لكنَّ حصر أسباب الرفض بهذه الثغرات يبقى قاصراً عن تفسير المشهد كاملاً.
فالورقة، على الرغم من الملاحظات عليها، لا تمنح إسرائيل حرية حركة داخل لبنان، ولا تعترف لها بحق البقاء أو التدخل الدائم. بل إنها تؤكد سيادة لبنان ضمن حدوده المعترف بها دولياً، وتربط أيَّ ترتيبات ميدانية ببسط سلطة الدولة اللبنانية وقواها الرسمية. لذلك يصعب اختصارها على أنَّها تنازل لبناني أو تفويض لإسرائيل، خصوصاً أنَّها تعيد طرح دور الدولة كمرجعية وحيدة لإدارة الجنوب وأي ترتيبات أمنية أو سياسية مرتبطة به.
ثغرة الإنسحاب
تبقى المشكلة الأساسية في غياب جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي. فالتجارب السابقة لا توحي بأن إسرائيل ستنسحب تلقائياً من دون ضغوط وضمانات. ومن هنا تبدو أولوية الدولة اللبنانية في جولات التفاوض المقبلة انتزاع التزام واضح بالانسحاب وربط أيّ خطوات لبنانية بمراحل تنفيذية متبادلة ومحددة زمنياً.
لكنَّ الاعتراض على بند انسحاب عناصر حزب الله إلى شمال الليطاني يتجاهل أن هذا المبدأ ورد أساساً في القرار 1701 بعد حرب تموز 2006، وفي القرار 1701 بلس بعد حرب 2024. لذلك فإن ما يُطرح اليوم لا يشكِّل انقلاباً على تفاهمات سابقة بقدر ما يُمثل محاولة لإعادة تفعيل التزامات بقيت معلَّقة أو مطبَّقة بشكل جزئي.
في المقابل، يربط أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة اللبنانية الدكتور طلال عتريسي رفض الحزب بجملة من الهواجس المرتبطة بآلية التنفيذ والضمانات. ويقول لـِ "المدن"، "إن بند انسحاب عناصر الحزب إلى شمال الليطاني ليس جديداً، لكنَّ المشكلة تكمن في مطالبة الحزب بالالتزام بترتيبات أمنية جديدة من دون وجود ضمانات واضحة تلزم إسرائيل بوقف اعتداءاتها والانسحاب من الأراضي التي لا تزال تحتلها."
ويعتبر عتريسي أنَّ "الحزب لا يريد العودة إلى المعادلة التي سادت قبل الثاني من آذار، حيث كان يُطلب من لبنان تنفيذ التزاماته الأمنية فيما بقيت إسرائيل تحتفظ بهامش واسع للتحرك العسكري. ويشير إلى أن هذا القلق تعزّز مع الورقة الأولى التي سبقت إعلان النيات الأخير في واشنطن، والتي نصّت على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها". وبحسب عتريسي، "فإن الحزب ينظر إلى هذا البند على أنه يفتح المجال أمام استمرار التدخلات والضربات الإسرائيلية تحت تفسيرات أمنية مختلفة، ما يثير تساؤلات حول الضمانات الفعلية لأي اتفاق جديد".
كما يشير إلى أن الحزب يترقب أيضاً ما يمكن أن ينتج عن مسار إسلام آباد، باعتبار أن "النقاش لا يقتصر على وقف حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، بل قد يشمل ترتيبات تتعلق بانسحاب إسرائيلي من الجنوب، وهو ما يراه الحزب عنصراً أساسيّاً في أيّ تفاهم مستقبلي يحقق توازناً في الالتزامات بين الطرفين".
المناطق النموذجية
وينطبق الأمر نفسه على ما يعرف بـِ "المناطق النموذجية" التي يتولى الجيش اللبناني مسؤوليتها الكاملة. فالفكرة تقوم على تعزيز حضور الدولة في المناطق الحدودية وتثبيت سلطتها الأمنية والإدارية فيها. الجديد هو محاولة وضع آليات رقابة ومتابعة أكثر وضوحاً لمنع تكرار تجربة الالتزامات التي بقيت رهينة التفسيرات المتناقضة أو التطبيق الانتقائي.
إيران في قلب المشهد
لذلك، لا يمكن فصل رفض حزب الله عن الحساب الإيراني. القرار في هذه اللحظة ليس قرار الحزب وحده. فالملف اللبناني، منذ بداية الحرب، تحوّل إلى ورقة في يد الحرس الثوري الإيراني. وكلما تقدّمت المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية أو تعثرت، انعكس ذلك مباشرة على لبنان. وعندما قُصفت الضاحية الجنوبية، لم يكن الرد الإيراني بإطلاق الصواريخ على إسرائيل مجرد تضامن أو ردٍّ عسكري منفصل، بل محاولة واضحة لإعادة ربط المسارات: لبنان بإيران، الجنوب بالمفاوضات، والدم اللبناني بطاولة التفاوض الكبرى.
من هذا المنطلق، لا يبدو أنَّ اعتراض الحزب يقتصر على البنود التقنيّة. فكل بند يعزز حصرية القرار اللبناني بالدولة ويضع التفاوض بيد المؤسسات الرسمية يعني عمليّاً تقليص دور إيران في الملف اللبناني. لذلك يرى كثيرون أن جوهر الرفض لا يتعلق فقط بالترتيبات الأمنية، بل أيضاً بالتحوّل السياسي الذي تحمله الورقة، أي نقل لبنان من موقع الساحة المرتبطة بالتوازنات الإقليمية إلى موقع الدولة التي تفاوض بإسم نفسها.
لا يعني ذلك أن الورقة مثالية أو أن على لبنان قبولها كما هي. فالدولة مطالبة برفض أيّ صيغة تسمح لإسرائيل بالمماطلة أو بالإبقاء على الاحتلال أو بالالتفاف على مبدأ السيادة. لكن هناك فرقاً بين رفض الورقة لتحسينها وانتزاع ضمانات أفضل، ورفضها لأنها تنقل جزءاً من القرار اللبناني إلى مؤسسات الدولة.
دولة أم ساحة؟
في جوهر النقاش، تبدو المعركة أبعد من تفاصيل البنود. فالدولة اللبنانية تحاول للمرة الأولى منذ سنوات استعادة موقعها في إدارة هذا الملف، بعد أن ظل القرار موزعاً بين قوى الأمر الواقع والحسابات الإقليمية.
ومن هنا يبرز جوهر الخلاف. فالورقة، على الرغم من ثغراتها، تقوم على مبدأ أن الدولة اللبنانية تفاوض عن نفسها وأن إدارة الجنوب تعود إلى المؤسسات الشرعية. أما حزب الله، فينظر إليها على أنها تمس بالتوازن الذي حكم المرحلة السابقة وتحد من دوره السياسي والعسكري.
لهذا قال الحزب "لا". ليس فقط بسبب الثغرات الموجودة في الورقة، بل لأن النقاش يتجاوز تفاصيل الانسحاب والضمانات إلى سؤال أكبر: هل يُدار القرار اللبناني من خلال مؤسسات الدولة وحدها، أم يبقى جزءاً من معادلة إقليمية أوسع تتجاوز حدوده ومؤسساته؟