لم يكتفوا بتدمير الجنوب.. يطالبون بضرب أساس الدولة

لم يكتفِ حزب الله بمصادرة قرار الحرب والسلم وجرّ لبنان إلى حرب دفع الجنوب وأهله أثمانها الباهظة، بل يريد اليوم مصادرة حق الدولة في التفاوض، والإبقاء على سلاحه خارج سلطتها. هذا ما أكّده بيان أمينه العام نعيم قاسم، الذي هاجم اتفاق الإطار وجدّد رفض البحث في سلاح الحزب، في تحدٍّ مباشر لحق الدولة في تقرير مصير البلاد.


بأي منطق يرفض حزب الله المفاوضات التي تتولاها الدولة اللبنانية، فيما يريد إبقاء لبنان رهينة حسابات إيران؟ اتفاق الإطار ليس ملكًا للحزب كي يرفضه، ولا لطهران كي تقرّر مصيره. إنه مسار تتولّاه الدولة دفاعًا عن مصالح اللبنانيين وحقوقهم، ومن حقهم محاسبتها على شروطه ونتائجه، لكن ليس من حق أي تنظيم مسلّح أن يصادر قرارها أو يفرض عليها خياراته.


الأخطر أن قاسم لا يكتفي برفض المفاوضات، بل يقفل النقاش في سلاح حزبه، وكأن هذا السلاح يتمتع بحصانة تمنع الدولة من إخضاعه لسلطتها. فحين يرفض حزب الله البحث في سلاحه، ويعترض على تولّي الدولة التفاوض، فإنه لا يطرح خلافًا سياسيًا عاديًا، بل يكرّس واقعًا تتعدّد فيه مراكز القرار، وتبقى المؤسسات الشرعية عاجزة عن فرض سلطتها.


لكن هذا التحدّي لم يعد يحتمل الاكتفاء بالبيانات والمواقف. فقضية المتفجرات المضبوطة في ظهر البيدر تشكّل اختبارًا مباشرًا لهيبة الدولة، بعدما أعلن النائب حسن فضل الله أن الشحنة تعود إلى حزب الله وطالب باستردادها. فملكية الحزب للمتفجرات، لا تمنحه حق استردادها خارج القانون، ولا تعفي المسؤولين عن نقلها وحيازتها من المساءلة.


المطلوب اليوم خطوات عملية، لا مواقف إضافية: إحالة ملف المتفجرات إلى المجلس العدلي، واستكمال التحقيقات ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، بالتوازي مع تنفيذ قرار الحكومة الصادر في 2 آذار 2026 بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله وحصر السلاح بيد الدولة. فلا يجوز أن تبقى قرارات الشرعية رهينة قبول الحزب أو رفضه.
هذه ليست مواجهة طائفية، ولا استهدافًا لجمهور سياسي، بل معركة على مبدأ أساسي: لا جهة فوق القانون، ولا سلاح خارج سلطة الدولة، ولا تنظيم يملك حق تعطيل قرارات المؤسسات الدستورية. فالدولة التي لا تستطيع فرض القانون على الجميع تفقد جوهر سيادتها، وتتحوّل إلى إطار شكلي أمام سلطة الأمر الواقع.


لقد دفع الجنوب ثمنًا باهظًا لحرب لم يكن قرارها بيد الدولة، ولا يجوز أن يُطلب من اللبنانيين دفع أثمان إضافية لأن حزب الله يرفض التخلي عن سلاحه أو القبول بمسار تفاوضي لا يتحكّم به. فلا إعادة إعمار مستدامة مع قرار حرب خارج الشرعية، ولا سيادة فعلية فيما يحتفظ تنظيم مسلّح بحق النقض على قرارات الدولة.
لم يكتفوا بتدمير الجنوب؛ يريدون أيضًا ضرب أساس الدولة وإبقاؤها عاجزة عن استعادة قرارها. والردّ على بيان نعيم قاسم لا يكون ببيان مضاد، بل بإحالة ملف المتفجرات إلى المجلس العدلي، ومحاسبة المسؤولين، وتنفيذ قرارات الدولة. فإما أن تكون الدولة المرجعية النهائية في التفاوض والسلاح والأمن، وإما أن يبقى لبنان رهينة قرارات تُصنع خارج مؤسساته.