آليات التحقق في محادثات روما: Make-or-Break Test

لم يكن اليوم الثاني من أحدث جولة من المحادثات اللبنانية الإسرائيلية التي ترعاها الولايات المتحدة في روما مجرد محطة شكلية، بل كان اختبارًا عمليًا وجادًا لمدى إمكانية ترجمة "صيغة الإطار" إلى ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ. وقد جمع هذا الاجتماع، وهو الجولة السابعة هذا العام والثانية التي تُعقد في العاصمة الإيطالية، فرقًا سياسية وعسكرية في السفارة الأميركية بجدول أعمال محدد، ولكنه بالغ الأهمية: توسيع نطاق نموذج "المنطقة التجريبية" في جنوب لبنان، وتحديد الجهات المسؤولة عن التحقق من الأمور على أرض الواقع، والبتّ في قدرة الدولة اللبنانية على إبقاء سلاح "حزب الله" بعيدًا من الحدود مع إسرائيل بشكل موثوق، إضافة الى العمل على تظهير الحدود اللبنانية بشكل واضح ونهائي.

وأكد متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية لـ"نداء الوطن" أن محادثات روما بحثت مجموعة واسعة من القضايا المرتبطة بالتنفيذ الكامل لـ"صيغة الإطار" الثلاثي، من بينها المضي قدمًا في "عملية المنطقة التجريبية، حل المسائل الحدودية، ضمان نزع سلاح "حزب الله" والتحقق منه، وإزالة البنية التحتية للإرهاب من جنوب لبنان، وتحقيق تقدم نحو اتفاق شامل للسلام والأمن". وشدد المتحدث على أن هدف الولايات المتحدة هو تنفيذ "صيغة الإطار" بأسلوب عملي وفق مراحل متتابعة لتحقيق أمن دائم لكلا البلدين وإعادة سلطة الدولة اللبنانية إلى الجنوب، مؤكدًا أن نزع سلاح "حزب الله" وتفكيك البنية التحتية "للإرهاب" في الجنوب مطلب جوهري. كما أشار المتحدث إلى أهمية استعادة الجيش سلطته الفعالة ليصبح السلاح حصرًا بيد الدولة، مؤكدًا التواصل المستمر مع الجانبين اللبناني والإسرائيلي وضرورة الحفاظ على الزخم الدبلوماسي لتحقيق التنفيذ الكامل للاتفاق، بحيث يصبح جنوب لبنان خاليًا من البنية التحتية "للإرهاب" وتستعيد الدولة سلطتها ويتهيأ المناخ لإعادة الانتشار التدريجي وتحقيق أمن دائم.

وأشارت المصادر الأميركية المطلعة إلى أن سير المفاوضات كشف عن التناقض الأساسي بين الأطراف. فلبنان يُطالب بانسحاب إسرائيلي سريع ووقف عمليات الهدم في القرى الجنوبية. في المقابل، تُطالب إسرائيل بإثبات أن أي منطقة تُسلّم للجيش اللبناني لن تُصبح معقلا عسكريًّا آخر لـ"حزب الله". أما واشنطن، فتسعى إلى تعزيز الزخم، لكن خطابها يُوضح أن التقدم يعتمد على "توثيق نزع السلاح وإزالة البنية التحتية للإرهاب". وبالتالي، أضافت المصادر، فإن عملية روما لا تُعنى كثيرًا بالأجواء الدبلوماسية بقدر ما تُعنى ببناء نظام تحقق قوي بما يكفي لمقاومة "تخريب حزب الله".

ووفقًا للمعلومات، انقسمت المحادثات إلى مسارات سياسية وعسكرية. وركز الاجتماع السياسي على ضرورة وجود طرف ثالث أثناء التحقق من انتشار الجيش. وبحث الاجتماع العسكري كيفية اختبار التنفيذ داخل المناطق النموذجية وتحديد متى تُعتبر منطقة ما ناجحة بما يكفي لتكرار التجربة. وأشارت المعلومات إلى أنه تم بحث التفاصيل التقنية المتعلقة بالآلية التنفيذية للمناطق النموذجية في لبنان، حيث كان المطلب الأول للوفد اللبناني هو وقف انتهاك إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار، مع إصرار لبنان على ضرورة نقل هذا المطلب إلى المستوى السياسي الإسرائيلي. وقد أبدى الجانب الأميركي تفهمًا لهذا المطلب، غير أن المصادر لفتت إلى أن واشنطن غير متحمسة للاقتراح اللبناني لمناطق نموذجية واسعة، لأنها تتطلب آليات تنفيذية دقيقة وتفاصيل تقنية متقدمة لا يملكها الجانب اللبناني بعد، رغم أن المنطقتين النموذجيتين المفضّلتين لدى لبنان، بنت جبيل أولا ثم الخيام ثانيًا، تكتسبان أهمية فورية نظرًا إلى رمزية المدينتين وارتباطهما بذكريات حروب سابقة.

ومع ذلك، أكدت مصادر أميركية أن تل أبيب لم تُقدّم إجابةً واضحة. وقالت المصادر إن هذا الصمت مهم! فالخلاف لا يقتصر على الجغرافيا، بل يتعلّق بالمعايير أيضًا. يُريد لبنان أن تُصبح المناطق النموذجية وسيلةً للانسحاب الإسرائيلي وعودة المدنيين. بينما تنظر إليها إسرائيل كاختبار لقدرات الدولة في السيطرة على هذه المناطق وتفتيش مواقع الأسلحة المشتبه بها، ومنع تحرّكات "حزب الله"، ووقف إعادة بناء الأنفاق والمستودعات ومراكز القيادة. تُحاول واشنطن التوفيق بين هذين المنطقين بالإصرار على التسلسل الذي لحظته "صيغة الإطار": الانسحاب، ولكن فقط بعد الحصول على تصريح مُؤكّد وسيطرة لبنانية موثوقة.

وتقول مصادر عسكرية أميركية إن التجربة الأولى من المناطق النموذجية تؤكد حجم المخاطر، مشيرة إلى أن "زوطر الغربية" أظهرت إمكانية حدوث انسحاب محدود ونشر للجيش، لكنها لم تُثَبِّت إمكانية تطبيق النموذج على نطاق أوسع في مناطق تتواجد فيها البنية التحتية "السرية" لـ"حزب الله"، ومخازن الأسلحة الخاصة، وشبكات التهريب بشكل أكبر. وتضيف هذه المصادر أنه في السابق، كانت الترتيبات تقيس نشاط الجيش غالبًا بالدوريات بدلا من الأسلحة المصادرة والأنفاق المدمرة والبنية التحتية القيادية المعطلة. وتستنتج هذه المصادر بأنه "لا يمكن لصيغة الإطار الجديد أن تستمر إذا كانت ستكافئ الاستعراضات فقط".

لهذا السبب، تقول مصادر دبلوماسية أميركية إن عملية التحقق هيمنت على مفاوضات روما، مشيرة إلى أن السؤال المطروح هو من سيُصدّق على الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش، ونزع أسلحة "حزب الله"؟ وتشمل الأفكار المطروحة دورًا إيطاليًا أو أوروبيًا أوسع، لكن إسرائيل متشككة في أي ترتيبات تفتقر إلى معلومات استخباراتية دقيقة وسلطة عملياتية. تبقى الولايات المتحدة عنصرًا لا غنى عنه. من هنا يقول دبلوماسي أميركي إن أي آلية جادة ستتطلب دمجًا استخباراتيًا بقيادة الولايات المتحدة، ومساهمات إسرائيلية ولبنانية إضافة إلى وجود طرف ثالث يُبلغ عن الانتهاكات بدلا من مجرد مشاهدتها.

في موازاة ذلك، شهدت المباحثات اجتماعًا خاصًا بالحدود بين البلدين عمد خلاله لبنان إلى تقديم مقترح مُفصل بشأن الحدود الدولية وخط الهدنة والخط الأزرق، وأشارت المعلومات إلى أن المسؤولين الأميركيين استقبلوه بشكل إيجابي. وقالت المصادر الأميركية إن ملف الحدود يمنح بيروت فرصة دبلوماسية أفضل، خصوصًا وأن المفاوضين اللبنانيين قدموا حججًا تتعلق بالحدود الدولية اعتبرها الجانب الأميركي حزمة شاملة. ولفتت هذه المصادر إلى أن وضوح الحدود يمنع أو يقلل من الاحتكاك مستقبلا، ويحد من المبررات الإسرائيلية للاحتفاظ بالأراضي، ويمنح الدولة اللبنانية "سردية سيادية لا يملكها حزب الله". ومع ذلك، تقول هذه المصادر إنه "يبدو أن إسرائيل تنظر إلى ترسيم الحدود على أنه ثانوي لنزع السلاح: فالخط على الخريطة لا يعني الكثير إذا كان بإمكان حزب الله الظهور خلفه".

وقالت مصادر قريبة من البيت الأبيض إن المقايضة الاستراتيجية التي تظهر في روما هي أن الحدود والانسحابات مرئية سياسيًا، إلا أن نزع السلاح والتحقق غير واضحين من الناحية العملياتية. لكن واشنطن تتفهم حاجة لبنان إلى الانسحابات لإظهار أن الدبلوماسية تُنتج السيادة، إلا أنها تتفهم أيضًا حاجة إسرائيل إلى تفكيك قابل للتحقق لإثبات أن الانسحاب لا يُعيد خلق التهديد الذي كان سائدًا قبل الحرب. وأضافت هذه المصادر أن واشنطن تدفع بيروت وتل أبيب إلى الإقرار بأنه لا يمكن لأي من المسارين أن يتقدم بمفرده.

لذا، تضيف المصادر، فإن دور واشنطن يتجاوز الوساطة، وهي تتعامل مع "صيغة الإطار" كمشروع تنفيذي يجب أن يبني الثقة من خلال خطوات مُجرّبة. والهدف هو استعادة السيادة اللبنانية، والقضاء على البنية التحتية لـ"حزب الله"، وتمكين إعادة الانتشار الإسرائيلي التدريجي. فيما تؤكد مصادر في البنتاغون ضرورة ربط دعم الجيش بمعايير قابلة للتحقق، والشفافية، والرقابة، وتقول إن هذا الشرط أساسي لأنها لا تريد للمساعدات أن تُعزز وحداتٍ اخترقتها أو هددتها جماعة "حزب الله".

في الختام، يتساءل دبلوماسي أميركي عن دور واشنطن الذي تريده كل من بيروت وتل أبيب: وسيط، أم فارضٌ للحلول، أم مراقبٌ سلبي؟ مؤكدًا أن أميركا تظل طرفًا لا غنى عنه، فهي ملتزمة بتحقيق "أمنٍ دائم" والقضاء على البنية التحتية "للإرهاب" في الجنوب.

وبينما يسارع المسؤولون الأميركيون إلى الترويج لـ"الفرصة التاريخية" التي تمثلها "صيغة الإطار"، يقرون في أحاديثهم الخاصة بأن أفضل سيناريو يمكن أن تتمخض عنه محادثات روما يظل متواضعًا: توسيع تدريجي للمناطق التجريبية، وبروتوكولات تحقق. من هنا، لم ينجح اليوم الثاني من محادثات روما في تبديد الانطباع السائد بأن العملية برمتها تراوح مكانها من دون إحراز تقدم حقيقي، لأن الأطراف المعنية لا تزال عالقة في حلقة مفرغة تتأرجح بين الانخراط الحذر والشكوك المتبادلة.