مأزق القصة القصيرة بين دور النشر ومانحي الجوائز والانفجار الروائي

أثار بيان لجنة تحكيم جائزة ساويرس الثقافية، فرع القصة القصيرة لفئة الشباب، في دورتها الأحدث، حول قرارها حجب المركز الأول، بزعم أنها لم تجد في 46 مجموعة قصصية فحصتْها، ما يستحق التتويج بهذا المركز، جدلاً واسعاً في الوسط الثقافي المصري؛ ليس حول وجاهة هذا القرار فحسب، وإنما أيضاً حول اللغة الأبوية التي صيغ بها البيان وما انطوى عليه من مواصفات رأت اللجنة أنها ينبغي أن تتوافر في كتابة القصة القصيرة، ووصفها غالبية الأعمال المفحوصة بأنها "أقرب إلى الحكايات والخواطر". ومنحت اللجنة جائزة المركز الثاني للكاتبة مريم العجمي عن مجموعتها "صورة مريم"، التي سبق أن ضمتها قائمة قصيرة شملت ثلاث مجموعات قصصية لثلاث كاتبات.

وبصرف النظر عن هذه الواقعة، فإن القصة القصيرة، على رغم ازدياد الاهتمام عربياً بها، نشراً وترشيحاً للجوائز، إلا أنها لا تزال تعاني من مأزق عدم حماسة كثير من دور النشر لها، فضلاً عن قلة الجوائز المخصصة لها، مقارنة بالرواية وحتى الشعر. فملتقى القاهرة للقصة القصيرة العربية، مثلاً، عُقد لدورة واحدة انتهت بمنح جائزته للكاتب السوري زكريا تامر عام 2009. أما جائزة يوسف إدريس للقصة القصيرة التي يمنحها المجلس الأعلى المصري للثقافة، فباتت في حكم المجمدة منذ أن فاز بها الكاتبان حسن عبد الموجود ومحمد عبد اللاه عام 2020. في حين تواصل جائزة الملتقى للقصة القصيرة (الكويت) عملها، وتعد الجائزة الأبرز عربياً في تقدير هذا الجنس الأدبي الذي لطالما ميَّز إنتاج عدد لا بأس به من الأدباء العرب الذين أخلصوا لها مثل يوسف إدريس ويحيى حقي ويحيى الطاهر عبد الله وزكريا تامر وسعيد الكفراوي ومحمد المخزنجي، وأيضاً نجيب محفوظ الذي تركز الإهتمام به روائياً على حساب كونه كاتباً رئداً للقصة العربية الحديثة. وهناك جائزة أخرى تحمل اسم يوسف إدريس يمنحها "مركز ذرا للدراسات والأبحاث" في باريس. كما أن جائزة العويس منحت من قبل لمبدعين من دول عربية مختلفة في مجال القصة القصيرة. والجدير بالذكر هنا هو أن المأزق الذي يعانيه كتاب القصة القصيرة موجود على مستوى العالم، ويمكن الاستدلال على ذلك مثلاً بندرة الحاصلين على جائزة نوبل من كتاب القصة القصيرة، منذ انطلاقها، وأبرزهم الكندية أليس مونرو.

"النهار"، استطلعت آراء عدد من الكتاب والناشرين حول مأزق القصة القصيرة، في ضوء بيان لجنة تحكيم جائزة ساويرس.

معنى الخلود

في البداية رأى القاص محمد رفيع أن القصة القصيرة بالنسبة إليه هي "الفن الذي يقدّم لنا فهماً مغايراً لمعنى الخلود. الخلود ليس أن تطول حياة الإنسان، بل أن تتسع. أن يعيش مئة حياة أو ألف حياة غير حياته". وأضاف: "الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أنني، خلال السنوات العشر الأخيرة، لاحظت أن ذائقة كثير من النقاد الأدبيين، وحتى بعض الروائيين الكبار الذين يكتبون القصة القصيرة أحياناً، توقفت عند حدود الستينات أو السبعينات من القرن الماضي على الأكثر. تقبّلهم للتجارب الجديدة في الشكل والمضمون صار في أضعف حالاته. أقول هذا مطمئناً، لا من موقع شكوى، بل من تجربة شخصية، إذ أخوض تجارب سردية لا تجد التفاتاً نقدياً محلياً، لا رفضاً ولا قبولاً، كأن النص لم يُقرأ أصلاً، بينما تُناقش هذه التجارب وتُفهم وتُنتقد بجدية في أماكن أخرى من الوطن العربي".

ويرى أن القصة القصيرة لم تعد مجرد "حكاية" بالمعنى القديم، هي اليوم أبعد من التسلية، وأعمق من السرد الخطي؛ "هي فعل رؤية. كل قصة قصيرة حقيقية يجب أن تقدّم تصوراً للعالم، عبر تكثيف لحظة واحدة في حياة بطلها، لحظة كاشفة تختصر قطاعاً زمنياً طولياً من حياته، وتكثف أزمته وأفكاره وصراعاته الداخلية ودراما العالم من حوله في آن واحد".

وسبق أن تضمنت القائمة القصيرة لجائزة الملتقى اسم محمد رفيع في دورتها الأولى عام 2016 عن مجموعته "عسل النون"، وفي دورتها الخامسة عن مجموعته "في مديح الكائنات". وحصل على جائزة ساويرس فرع الشباب عام 2012 عن مجموعته "أبهة الماء".

مأزق مصطنع
ولاحظ القاص شريف عبد المجيد الحاصل على المركز الأول في جائزة ساويرس لشباب الكتاب عن مجموعته "خدمات ما بعد البيع" عام 2008، أن مأزق القصة القصيرة مصطنع خارج عالم الفن والإبداع. وأضاف أنه مأزق توزيع وإنتاج وتسويق، "وهى عمليات تالية لعملية الإبداع نفسها". ويرى عبد المجيد أن هناك إزدهاراً كبيراً في عدد المجموعات القصصية الصادرة عام 2025، كما أن الجوائز الممنوحة للقصة القصيرة في مصر والعالم العربي زاد عددها وارتفعت قيمتها المادية، "ولكن المعاناة الحقيقة هى مع إدارة بعض هذه الجوائز وعدم شفافية لجان التحكيم". ورغم هذا – يضيف عبد المجيد - فإن ما يشوب بعض الجوائز من عوار، "لا يمس جوهر الفن في شئ ولا يؤثر في فرض العمل الجيد على الساحة ولو بعد حين، فالفرزالحقيقي بطله الأوحد هو الزمن وكم من ظواهر عابرة مرت بصخب الشهب لا نتذكر منها شيئاً سوى ذلك البريق الزائل".

ويرى الناقد الدكتور رضا عطية الحاصل على جائزة ساويرس عام 2017 في النقد الأدبي عن كتابه "العائش في السرد"، أن رواج الرواية ليس هو العامل الأوحد في التأثير النسبي على رواج القصة القصيرة، إذ أدى تغيُّر وسائل النشر واتجاهات الناشرين وتخصيص عدد أكبر من الجوائز للرواية مقارنة بالقصة إلى إيثار معظم الكُتاب للرواية أكثر من القصة، "ولكن لا ننسى زمناً كان فيه رواج القصة القصيرة مرتبطاً برواج الصحافة الورقية التي كانت فضاء رحباً لنشر النوع القصصي. كذلك فإن رواج الرواية جماهيرياً حالياً يبدو مرتبطاً بتراجع النوع الدرامي ما دفع بعض المتلقين من عوام الجماهير إلى تعويض عزوفهم عن متابعة الدراما بقراءة نوعية معينة من الروايات المعتمدة على الحبكة التشويقية مع بساطة مستواها الفني والتقني. ولا يفوتني طبعاً أن أشير إلى انخفاض نسبي في المتابعات النقدية لنوع القصة، نظراً الى أنها تحتاج قدرات خاصة في تحليل النص ومحاولة إيجاد روابط بين خطوط المجموعة القصصية، وإدراك انفتاح النوع القصصي أحياناً على أنواع أدبية وفنية أخرى كالشعر والمسرح والسينما، بالإضافة إلى تفضيل الناشرين نسبياً الرواية على القصة".

تجريب الشباب
ويرى القاص منير عتيبة الحاصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 2016 عن مجموعته القصصية "روح الحكاية"، أن الإقبال على كتابة القصة القصيرة ونشرها لم يخفت بل هو مزدهر وفقاً للأرقام التي يظهرها تقرير الحالة السردية المصرية الذي أصدرت منه 23 كتاباً غطت الفترة من 2001م إلى 2022م، وقد يكون أكثر ازدهاراً لو أخذنا بعين الاعتبار (وليست لديَّ أرقام هنا) ما يتم نشره في الصحف والمجلات ومواقع الإنترنت المختلفة، بحيث يكون نشر القصة القصيرة هو الأكثر شيوعاً من نشر رواية مسلسلة أو فصل من رواية. وأضاف: "من خلال مواقع عديدة، شرفت بإدارتها، مثل مختبر السرديات في مكتبة الإسكندرية ومؤتمر مصر المبدعة وسلسلة كتابات جديدة في الهيئة المصرية العامة للكتاب، لاحظت أن كاتبات القصة وكتابها الشباب الذين قرأت لهم يحاول معظمهم أن يكتب كتابة خاصة تشبهه هو، لذلك نجد الاتجاه إلى التجريب واضحاً بشدة في كتابات هؤلاء المبدعين، سواء التجريب على مستوى الموضوعات التى يتناولونها، أو على مستوى بناء القصة، ولغتها". ولاحظ كذلك أن هؤلاء يكتبون عما يمس ذاوتهم مباشرة، في محاولة لفهمها واستجلاء جوانبها قبل أن تتواصل مع الآخر.

الحاضر والمستقبل
وقالت الناشرة دينا قابيل إن حجب المركز الأول في جائزة ساويرس، "قلَّب المواجع خصوصاً عند محبي هذا الفن الرفيع". ورأت أن المشكلة ليست في المعروض، فهناك مواهب عظيمة، والأمر يتعلق أولاً بالأعمال اللي ترشحت فهي لا تعكس كل الموجود على الساحة، ويتعلق ثانياً بذائقة لجنة التحكيم. وأضافت أنه بعيداً من الجائزة، فإن غالب دور النشر لا ترحب بالقصة القصيرة إلا في نطاق ضيق (كوتة تضعها الدار لنفسها في مقابل الرواية). وأكدت أن هذه ليست هي الحال بالنسبة الى دار "المرايا" التي تديرها، "فهي ننظم مع الباحثة أسماء يحيى الطاهر عبد الله جائزة باسم والدها، وهي في دورتها الخامسة هذا العام وتمنح لأفضل مجموعة قصصية مخطوطة ويحكم فيها أساتذة ونقاد أجلاء يتغيرون كل عام، وتتضمن الجائزة نشر المجموعة الفائزة وشهادة تقدير، فضلاً عن شهادات تقدير للثلاثة الذين وصلوا للتصفية النهائية". واختتمت بالقول: "لا نستبعد هذا النوع من كتالوغ (المرايا)"، مشيرة إلى أنها نشرت في عام 2025 عدداً لا بأس به من المجموعات القصصية منها لمحمد هاني "بنايات التيه المعتادة"، ولعبد الله محمد "بحر لا ينشق"، ولمروة غزاوي "أربع ورديات"، ولمحمد الخولي "الموت يزور غرفتي فجرا"، ولغسان غبريال "قناع أزرق".

وذكر مدير دار "بتانة" القاص عاطف عبيد أنه ينبغي القلق بالنسبة إلى مستقبل القصة القصيرة، كما نعرفها، بما أننا نعيش موجة شفاهية جديدة بسبب وسائل التواصل الاجتماعي التي كسرت عتق الزجاجة وفتحت الباب أمام الحكي. وأرى أن هذا الحكي بهذا الحجم الضخم سيفرز آليات ومناحي جديدة للتجريب، فالتواصل الاجتماعي من وجهة نظري هو ورشة كبيرة للحكي ستتحور في القريب العاجل إلى  قصص كثيرة متمردة على القالب التقليدي للقصة القصيرة كجنس أدبي، وسيفرخ هذا التحور نظريات نقدية تناسب السياق الجديد. وعلى سيرة الأجناس الأدبية وموقف القصة القصيرة منها، فأرى أن الشعر وإن بدا متكاسلاً فإنه لا يزال متربعاً على منصة الخيال والإبداع، وأن القصة القصيرة هي أقرب فنون الكلام للشعر، بينما أرى أن الرواية "مجرد سوار في معصم الخيال، أتوقع أن يخلعه قريباً".