المصدر: اللواء
الكاتب: وفاء بيضون
الأربعاء 23 أيلول 2026 07:18:45
لعل أبرز ما يميز لبنان أنه، مع تداخل ملفاته وتشابك أزماته والتباين بين مكوناته السياسية، تبقى نقطة الارتكاز في إجماع اللبنانيين على مؤسساتهم العسكرية والأمنية، من جيش وقوى أمنية. ومع ذلك، يبقى الاختلاف سياسياً حول أولويات المهام الملقاة على عاتق المؤسسة العسكرية، في مرحلة يُراد فيها خلط الأوراق وتوجيه مهمة الجيش نحو أهداف قد تخدم الدول الداعمة أكثر مما تخدم الجيش نفسه. لذلك، يبقى التعويل على المؤسسات الأمنية أساساً في بناء الدولة.
ومن هنا تأتي مساحة التأييد للجيش اللبناني، أكثر من أي مؤسسة أخرى، مع أن هذا التأييد يخفي تباينات حول الدور والمهمات المنتظرة منه. فالقوى التي تدعم الجيش تنطلق من ضرورات تختلف عن غيرها، خصوصاً عند تحديد أولوياته، وتوقيت الخطوات، وحدود دوره في معالجة أزمة السلاح بوصفها عنواناً أساسياً في المرحلة الراهنة.
لذلك، يمكن فهم الاتفاق الدولي على أهمية دور الجيش في الاستقرار اللبناني، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الاتفاق على حجم القوة التي ينبغي منحه إياها، في ظل ظروف سياسية قد تتيح له استخدامها ضمن سقوف تضبطها الدول الداعمة.
من هنا تبرز الإشكالية في اجتماع باريس لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، الذي يأتي في وقت تتصاعد فيه الدعوات إلى بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها، بالتوازي مع البحث في مستقبل الحضور الدولي في الجنوب.
ففيما يحتاج لبنان إلى ترجمة الرهان على مؤسساته إلى إمكانات فعلية، ينتظر داعموه خطوات ملموسة تؤكد قدرة الدولة على تنفيذ قراراتها. وهذا يعني، بشكل أو بآخر، أن مهمة صعبة تنتظر الجيش، فضلاً عن أنها قد تصطدم بالكثير من العوائق، وخصوصاً إذا لم يتم الانسحاب الكامل للاحتلال الإسرائيلي ووقف عدوانه على لبنان، بما يسهّل على القوى العسكرية اللبنانية تنفيذ ما هو مطلوب منها في الداخل.
لذلك، تقول مصادر مواكبة لمؤتمر باريس: «إن بين الدعم اللازم والمهمة المطلوبة تبرز معضلة تتجاوز التمويل، لأن الجيش مطالب بنتائج تتوقف على قرارات لبنانية وإسرائيلية ودولية، فيما قد تُستخدم حصيلة التنفيذ للحكم على أدائه وحده».
ومن هنا، تطرح أسئلة كثيرة حول اجتماع باريس، أبرزها: ما الشروط السياسية لنجاح الدعم؟ وما المسؤوليات التي يجب أن ترافقه؟ وهل يتجه الخارج إلى تمكين الدولة من تنفيذ المطلوب منها، أم إلى انتظار نتائج تمنحه مبرراً لمساعدتها؟
وهنا تكمن المعضلة التي لم يجد أحد حلاً لها، أو تفضيلاً، إذا صح التعبير: أيهما يسبق الآخر، الدعم أم المهمة؟
وبالتالي، يأتي ملف «حصرية السلاح»، حيث لا تكفي زيادة الإمكانات لحسم الخلاف السياسي. فالجيش يستطيع إعداد الخطط وتقدير الاحتياجات والمخاطر، لكنه لا يملك أن يقرر وحده شكل العلاقة بين الدولة و«حزب الله»، أو أن يتحمل مسؤولية تسوية خلاف تتداخل فيه الحسابات الداخلية والإقليمية، ولا سيما أن تطورات المنطقة لا تزال غامضة النتائج، ولا يزال تموضع القوى النافذة في الملف اللبناني غير محسوم.
فما هو مطلوب الآن قد يكون مؤجلاً غداً، تبعاً للمسار السياسي والميداني على أكثر من جبهة مشتعلة في المنطقة.
وهنا تضيف المصادر: «إنه من الضروري معرفة مستقبل قوات اليونيفيل العاملة في جنوب لبنان، لأن أي تغيير في حضورها سيعيد توزيع المسؤوليات في الجنوب، خصوصاً أن القوات الدولية لديها مهمات تتجاوز مسألة زيادة عديد الجيش، ولا سيما ما يرتبط بالمراقبة والاتصال والتوثيق الذي تقوم به حالياً، إلا إذا ذهب لبنان إلى الإطار المباشر، بالتنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية في بيروت وتل أبيب، وهذا مستبعد، أقله حتى اللحظة».
لذلك، يمكن اختصار المشهد، بشقيه السياسي والعسكري، المرتبطين بدعم الجيش والقوى الأمنية اللبنانية، بسؤال واحد:
ماذا للجيش اللبناني، وماذا عليه؟ ونقطة على السطر.