المصدر: النهار
الكاتب: روزانا بو منصف
الجمعة 12 حزيران 2026 08:25:38
هل يفتح رئيس مجلس النواب نبيه بري مساراً موازياً للتفاوض الرسمي الذي يحصل في واشنطن عبر الوفد اللبناني برئاسة السفير سيمون كرم؟ وهل يستطيع تعديل الاتفاق بين لبنان وإسرائيل، أو أن مسعاه يراوح في إطار التذاكي في انتظار المسار الإيراني - الأميركي نتيجة رهانه عليه من أجل إبقاء موقع قدم مؤثر لإيران في لبنان، وأن "الثنائي الشيعي" يحتفظ بالكلمة الأساسية التي لا قيمة من دونها لقرارات الدولة؟
من المرجح أن المسار ليس مستقلا عن المقاربة الإيرانية، وهو ما لا يجعله خطا ثالثا إلى جانب المسارين الإيراني واللبناني - الإسرائيلي، بل يبدو منافسا للمسار الرسمي. فالاتصالات التي سعى إلى إجرائها معاونه النائب علي حسن خليل في قطر وتلك التي فتحها علي حمدان مع أحد الصحافيين الإسرائيليين المؤثرين وعلى تواصل مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب باراك رافيد، والاتصالات الموازية عبر ريا الداعوق من أجل إعادة السفير الأميركي في تركيا توم براك إلى التدخل لمصلحة وجهات النظر التي يسوقها، تبدو بديلا وهميا مؤسفا، بل معيبا لدى البعض، ليس إلا لرفضه الاستناد إلى الوفد اللبناني وما توصل إليه من اتفاق مع إسرائيل تناول في شكل أساسي وقفا شاملا للنار لم يطبقه الحزب.
والحال أن الرهانات كلها هي لإجهاض جهود الوفد اللبناني وإضعاف أوراقه، وما يقوله أو يسوّق سعيه إليه على قاعدة إعطائه اتفاقا شاملا لوقف النار حتى من بنغلادش، هو ضحل في مضمونه ويعمم واقعا غير صحيح. يجري ذلك فيما نجح الوفد اللبناني في جلسة 15 أيار الماضي في تأمين وقف للنار لمدة 45 يوما، وعاد فأكد شموليته في جلسة 3 حزيران، ولم يلتزم الحزب، أقله لإحراج إسرائيل ونزع ذرائعها، بل على العكس، صعّد مواقفه على خلفية استقوائه بالصواريخ الإيرانية الاستعراضية ضد إسرائيل.
والذريعة الثانية التي يشهرها بري مرتبطة بطلبه الانسحاب الإسرائيلي. وثمة سؤال كبير يثار عن امتلاكه الأوراق اللازمة لذلك، فيما المناطق التجريبية هي السبيل الذي تضمنه الاتفاق ما دام لإسرائيل اليد العليا في الحرب. وثمة موازين قوى على الأرض، فضلا عن أن هزائم الحزب المتتالية جنوبا أطاحت إمكان الاستناد إلى ورقته كرافعة لإرغام إسرائيل على الانسحاب. وقد انبرى الرئيس الإسرائيلي اسحق هرتسوغ ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى توجيه "رسائل سلام" إلى اللبنانيين مستندة إلى واقع أن إسرائيل هي من تنهي الوجود العسكري لـ"حزب الله" بدلا من أن يقوم لبنان بذلك، فيصبح مدينا لها بأثمان لاحقة.
كل السبل تبدو أفضل من السبيل اللبناني الرسمي بالنسبة إلى بري، وسط تساؤل مبرر عما إذا كان الموفد الأميركي السابق إلى لبنان آموس هوكشتاين أعطى "الثنائي" أو لبنان الذي كان تحت سيطرته إبان عهد الرئيس ميشال عون مكاسب كبيرة في اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، أو أن الاتفاق أتى على حساب لبنان وغازه المدفون في البحر لمصلحة أثمان تم تبادلها إقليميا.
وتتجه الأنظار في هذا الإطار إلى تسهيل تجاوب تسليم الفصائل الموالية لإيران والعراق مع حصر السلاح داخل الدولة، فيما يتم الذهاب عكس ذلك في لبنان. وموقف بري هو ما يجري تسليفه لـ إيران التي يشكل نفوذها فيه ورقة لا تقل قوة بالنسبة إليها عن مضيق هرمز، مع فارق أن المساومة في لبنان هي من دون أي كلفة تتكبدها إيران، فيما عملية البيع والشراء جارية مع إسرائيل، وسيتكبد كل الخسائر لبنان واللبنانيون، وفي مقدمهم أبناء الطائفة الشيعية المهددون بالبقاء خارج منازلهم وقراهم.
من غير المرجح أن تؤدي محاولة بري التنافسية مع لبنان الرسمي إلى أي نتيجة. وكلام السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى قبل أيام تعليقا على ملاحظات بري على الاتفاق واستيضاحه حول المناطق التجريبية كان معبّرا عن انكشاف دور رئيس المجلس أمام واشنطن، وعدم وجود أي أوهام إزاء تمايز أو اعتدال معين. وهو أمر بدأ في الواقع من واشنطن، وكانت مؤشراته العقوبات التي طاولت معاونين لرئيس المجلس، ووصل صداه إلى بيروت متأخرا، فيما غالبية سياسية لا تزال توفر لبري فائدة الشك وافتراض حسن النية في ظل اعتباره الخيار الأقل سوءا في "الثنائي الشيعي".
الوضع صعب جدا على لبنان الذي يحاول أن يحفظ سيادته وحقوقه وسط الأنواء الداخلية الخطيرة التي ترتفع في وجهه، فيما الخشية أن يقدم كل ذلك الذرائع لتفقد الولايات المتحدة اهتمامها بلبنان، وتوفر لإسرائيل أوراق التلاقي مع إيران على أساس أنها هي من تستطيع أن تسلفها ورقة الحزب.