ما الذي يجري داخل "حزب الله"؟

وفيق صفا، الاسم البارز في الهيكل السياسي – الأمني لـ"حزب الله" لبنان، مسؤول "وحدة الارتباط والتنسيق" بات اليوم خارج دائرة صناعة القرار التي كان جزءاً منها في مرحلة الأمين العام السابق حسن نصر الله، ما يعكس التغيرات الجارية داخل "الحزب" ومساعي إعادة الهيكلة، والتعافي، ولو جزئياً، من الإصابات البليغة التي طالته إبان "حرب الإسناد"، خصوصاً أن ما حصل كشف عن خلل استخباري كبير واختراق إسرائيلي، وأيضاً عدم وجود قراءة واقعية للأخطار المحيطة، وسوء تقدير لقدرات "الحزب" من جهة، والتقدم التقني الإسرائيلي من جهة أخرى، يضاف لها انفصالٌ تامٌ عن إدراك المتغيرات الإقليمية الواسعة، ما جعل "حزب الله" وبيئته الحاضنة يتكبدان أثماناً باهظة جداً، لا تزال تدفعُ حتى اليوم!

أن لا يكون وفيق صفا ضمن "النواة الصلبة" في عهد الأمين العام الجديد نعيم قاسم، مرده إلى اختلاف أساليب العمل، والرؤية المتباينة تجاه ما جرى وما الذي من المفترض أن يكون عليه "حزب الله" اليوم وغداً، وسعي قاسم نحو العبور بـ"الحزب" نحو الضفة الأخرى، خصوصاً أن هناك ملفات شعبية ملحة، أبرزها "إعادة الإعمار" والمعاناة المستمرة لقطاع واسع من مؤيدي "الحزب"، وتحديداً المواطنين في شمال نهر الليطاني، الذين تهدمت بيوتهم كلياً، ولا تسمح لهم إسرائيل بإعادة تشييدها، ما يجعل معاناتهم الحياتية مستمرة يومياً.

هذا الملف الإنساني المهم، يشكل تحدياً كبيراً لقيادة "حزب الله" التي تعلم أنه لا يمكن وضع حدٍ له من دون حل سياسي. لذا، فهي بحاجة لأن تنتج خطاباً واقعياً يقرأ المتغيرات بهدوء، ويقبل بالواقع الجديد، وتكون هناك شجاعة في الاعتراف بما وقع من أخطاء!

ما سبق لا يعفي إسرائيل من مسؤوليتها تجاه ما حدث من جرائم وانتهاك للسيادة اللبنانية، لكن أيضاً "حزب الله" عليه مسؤولية مباشرة في هذه المرحلة التي تتطلب بناء دولة وطنية متماسكة، تحفظ السلم الأهلي، ويكون لديها جيش قوي قادر على حماية الحدود، وقرار موحد بـ"الحرب والسلم" يكون محصوراً بيد مؤسسات الدولة المعنية دون سواها.

 

ما سبق، يشير بوضوح إلى أن هناك استحقاقات ليست تنظيمية داخلية أمنية وعسكرية فقط أمام "حزب الله"، بل الأهم قرارات سياسية، وإعادة تموضع جديد ضمن كيان "الدولة" واجتراح خطاب إعلامي وسياسي ينتهج الواقعية والتواصلية والبعد عن التصعيد اللفظي، متكئ على رؤية استراتيجية متخففة من "روح الثورة" والمحاور الإقليمية.

 

هذا التبدل السياسي المطلوب، هو أهم ما يجب أن يقرأ في سياق استقالة وفيق صفا، فهي تشير إلى تغير ليس في الوجوه وحسب، بل إلى مسعى لإعادة إنتاج آلية عمل مختلفة!

هل ينجح "حزب الله" في ذلك، ويخلع عباءة "العمل العسكري" ويلبس "بذلة السياسي"؟ التغيير لن يكون سهلاً، وأمامه تعقيدات داخلية وإقليمية عديدة، لكن عبور هذه المرحلة أمر حتمي، إذا نجح فيه "الحزب" فسيجنّب ذاته ولبنان أثماناً ثقيلة، لأن لا أحد يريد أن يرى حرباً عداونية إسرائيلية جديدة، فمنطقة الشرق الأوسط بحاجة ماسة للاستقرار والتنمية والسلام الدائم.