المصدر: المدن
الكاتب: بتول يزبك
الأربعاء 23 أيلول 2026 01:34:33
يدخل لبنان اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك هذه المرّة، وفي حقيبته استحقاق يتجاوز مصير قوّة الأمم المتّحدة الموقّتة في لبنان "اليونيفيل"، إلى سؤال آخر: كيف يُملأ الفراغ في الجنوب بعد انتهاء مهمّتها، وتحت أيّ مرجعيّة سياسية وأمنيّة وقانونية؟
فالمشكلة لم تعد محصورة بتمديد تقنيّ لقوّة دولية تعمل في الجنوب منذ عقود، بل باتت تتصل بمستقبل المرجعيّة الدوليّة الناظمة للوضع جنوب الليطاني، وبالشكل الذي ستتمّ فيه إدارة المرحلة الانتقالية المقبلة، في ظلّ نقاشات متوازية حول دور الجيش اللّبنانيّ، وآليات المراقبة، ومستقبل الوجود الدوليّ، وحدود أيّ تفاهم أمنيّ جديد بين لبنان وإسرائيل.
وعليه، انتقلت المعركة اللّبنانيّة تدريجيًّا من محاولة الإبقاء على "اليونيفيل" كما هي، إلى محاولة الإبقاء على ما تمثّله: مظلّة دولية، ومرجعيّة أممية، وآلية مراقبة واتصال، وحضور ميدانيّ لا يجعل الجنوب منطقة تُدار حصرًا بتوازن القوة بين لبنان وإسرائيل.
هذه، في جوهرها، هي معركة المرحلة الانتقالية.
من بقاء "اليونيفيل" إلى بقاء المرجعية
في نيويورك، يبدو أن الخطاب الرسمي اللبناني بدأ يتكيّف مع هذه الحقيقة. فرئيس الحكومة نواف سلام لم يحصر الموقف اللبناني بالمطالبة بالإبقاء على "اليونيفيل"، بل شدّد خلال لقاءاته على ضرورة استمرار وجود دولي تحت مظلّة الأمم المتحدة في الجنوب في مرحلة ما بعد القوّة الحالية، بما يضمن استمرار المراقبة والتواصل، ويدعم مسار بسط سلطة الدولة اللبنانية.
فلبنان يحاول عمليًا الفصل بين انتهاء صيغة "اليونيفيل" الحالية، وبين انتهاء المرجعيّة الأممية نفسها. ذلك أن خسارة الأولى يمكن التعامل معها عبر تعديل شكل القوة ومهامها، أمّا خسارة الثانية فتعني انتقال ملف الجنوب من إطار القرار 1701 ومجلس الأمن إلى منظومة تفاهمات أمنية وسياسية جديدة، قد تصبح فيها المفاوضات الثنائية مع إسرائيل، أو أي "اتفاق إطار" جديد، المرجعية الأساسية لإدارة هذا الملف.
فأيّ تسوية مقبلة ستلامس ملفات شديدة الحساسيّة، تبدأ بالانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني، ولا تنتهي عند مراقبة الحدود وآليات التحقّق وحصر السلاح بيد الدولة. ولذلك، لا يدور النقاش حول وجود جنود دوليين في الجنوب فحسب، بل حول الصلاحية السّياسيّة والقانونيّة الّتي سيعمل هؤلاء الجنود بموجبها.
هل تأتي القوة الجديدة امتدادًا لمنظومة الأمم المتحدة والقرار 1701، أم تصبح جزءًا من ترتيب أمني جديد بين لبنان وإسرائيل؟ وهل تكون مهمتها مراقبة الخط الأزرق، أم مراقبة اتفاق أوسع؟ وهل تساند الجيش في الانتشار، أم تمتدّ مهمّاتها إلى ملفات أمنية وسيادية أكثر حساسيّة؟ هذه الأسئلة، لا اسم القوة وحده، هي التي تحكم النقاش الحالي.
المرحلة الانتقالية: ماذا يريد لبنان أصلًا؟
مصدر فرنسيّ مطّلع يقول لـ"المدن" إن التفكير الدولي انتقل عمليًا إلى اليوم التالي لـ"اليونيفيل"، أي إلى شكل المرحلة الانتقالية التي تفصل بين انتهاء الصيغة الحالية وقيام أي ترتيب بديل.
وبحسب المصدر، لم يعد النقاش الجدّي يدور حول إعادة إنتاج "اليونيفيل" كما هي، بقدر ما يدور حول طبيعة القوة أو الآلية التي يمكن أن تأتي بعدها، ومهمّاتها، وصلاحياتها، والإطار القانوني والسياسي الذي ستعمل من خلاله.
وهنا، ترى مصادر "المدن" أن نقطة البداية ليست في تحديد الدول المستعدة لإرسال جنود، بل في تحديد لبنان نفسه لما يريد من هذه القوة. فهل المطلوب قوة لمراقبة الحدود؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأي حدود تحديدًا؟ هل المقصود الخط الأزرق وحده، أم نطاقًا أوسع؟
وهل تكون مهمتها دعم الجيش اللبناني؟ وإذا كانت مهمتها الدعم، فما طبيعة هذا الدعم؟ هل يقتصر على المراقبة والانتشار وحماية الاستقرار، أم يمتدّ إلى مساندة الجيش في تنفيذ قرارات داخلية تتصل بحصر السلاح بيد الدولة؟ هذه، وفق المعلومات، ليست تفاصيل تقنية يمكن تأجيلها إلى ما بعد الاتفاق السّياسيّ، بل هي جوهر أي صيغة مقبلة.
فلا يمكن لأيّ قوة دولية أن تُنشأ من دون تحديد واضح لمهمّتها، وقواعد عملها، وصلاحياتها، والضمانات المقدّمة للدول التي ستشارك فيها. كما أن أيّ انتشار أجنبي في الجنوب يحتاج، أولًا، إلى طلب رسمي من الحكومة اللبنانية، لا إلى تفاهم خارجي يُفرض على بيروت بعد اكتماله. وبهذا المعنى، تصبح المرحلة الانتقالية اختبارًا للبنان نفسه بقدر ما هي اختبار للمجتمع الدولي: هل يدخل المفاوضات بموقف محدّد عمّا يريده من القوة الجديدة، أم يترك للدول المعنية رسم المهمة ثم يبحث لاحقًا في كيفية التكيّف معها؟
بين حلقة ثنائية وإطار دولي أوسع
في مرحلة سابقة، تركّز جانب من النقاش على دائرة أضيق مرتبطة بالمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. وضمن هذا المسار، طُرحت فكرة وجود قوة دولية تتولى مراقبة تنفيذ مذكرة تفاهم أو اتفاق أمني قد ينشأ بين الطرفين، وجرى تداول أسماء دول يمكن أن تشارك في مثل هذا الترتيب.
لكن مصادر "المدن" تشير إلى أن باريس تنظر إلى الموضوع من زاوية أوسع. فالمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل قد تشكّل جزءًا من الحل، وفرنسا تشجّع هذا المسار، لكن باريس لا ترى أن مذكرة تفاهم ثنائية يجب أن تصبح وحدها الإطار الناظم للوضع في الجنوب.
وهنا تعود فرنسا إلى القرار 1701 ومجلس الأمن والأمم المتحدة باعتبارها دائرة أوسع من أي اتفاق ثنائي محتمل. وبحسب المصدر، يمكن لهذه المرجعية أن تتيح استمرار وجود دولي يساهم في تأمين الاستقرار في الجنوب، ويوفّر في الوقت نفسه ضمانات أمنية لسكان شمال إسرائيل، من دون تحويل الوضع إلى علاقة أمنية ثنائية غير متكافئة بين بيروت وتل أبيب.
لهذا، تفضّل باريس، مبدئيًا، أن تنشأ أي صيغة جديدة ضمن مظلّة الأمم المتحدة، حتى لو اختلفت جذريًا عن "اليونيفيل" الحالية. وقد تكون أصغر حجمًا، أو مختلفة في تركيبتها، أو أكثر تحديدًا في صلاحياتها. وقد لا تحمل أصلًا اسم "اليونيفيل". لكن المسألة الأساسية، وفق الطرح الفرنسي، هي ألّا تنفصل عن المرجعية الدولية التي شكّلها القرار 1701.
"يونيفيل 2" ليست الصيغة بل الفكرة
ضمن هذا النقاش، يستخدم بعض المعنيين تسمية "يونيفيل 2" بصورة مجازية لوصف ما يمكن أن يأتي لاحقًا، لكن المصادر الفرنسية تشدّد على أن لا اسم حُسم، ولا بنية نهائية وُضعت بعد. المسألة ليست إعادة إنتاج القوة الموجودة مع تعديل عدد جنودها، بل البحث عن نموذج مختلف بالكامل.
والسؤال الحقيقي هو ما إذا كان من الممكن التوصّل إلى قوة جديدة داخل إطار الأمم المتحدة، في ضوء التحفّظ الأميركي والإسرائيلي التقليدي تجاه توسيع أدوار المنظمة الدولية في ملفات من هذا النوع.
إلّا أن باريس تراقب، في المقابل، ما تعتبره بداية مرونة أكبر حيال احتمال وجود دور للأمم المتحدة، ولو ضمن صيغة مختلفة عن التجارب السابقة. وهذا الهامش، إذا ثبت، قد يكون أساسيًا بالنسبة إلى لبنان، لأنه يسمح له بالجمع بين حاجتين تبدوان متعارضتين: الانتقال إلى ترتيبات أمنية جديدة من جهة، ومنع تفكيك المظلّة الأممية بالكامل من جهة ثانية.
ثلاثة مسارات لقوة ما بعد "اليونيفيل"
حتى الآن، يمكن اختصار البحث الجاري بثلاثة مسارات متوازية:
الأوّل، وهو الأكثر ارتباطًا بالرؤية الفرنسيّة، يقوم على إنشاء صيغة دولية جديدة تحت مظلّة الأمم المتحدة، تختلف في وظائفها وحجمها عن "اليونيفيل"، لكنها تبقى مرتبطة بالقرار 1701 ومجلس الأمن.
أما المسار الثاني، فيقوم على قوة أوروبية أو متعددة الجنسيات، يمكن أن تعمل بطلب لبناني مباشر ومن خلال تفاهم مع عدد من الدول الأوروبية أو الاتحاد الأوروبي، إذا تعذّر الوصول إلى صيغة أممية.
وتشير معلومات "المدن" إلى أن فرنسا وإيطاليا وإسبانيا أبدت استعدادًا للمشاركة في قوة من هذا النوع، فيما سبق لرئيس الجمهورية أن رحّب بهذا الاستعداد أكثر من مرة.
لكن هذا الاستعداد لا يعني أن القوة باتت موجودة على الورق. فلا يوجد حتى الآن اتفاق على مهامها، أو عدد جنودها، أو قواعد اشتباكها، أو إطارها القانوني، أو حتى طبيعة علاقتها بالجيش اللبناني. ويبقى هذا الخيار، بالتالي، احتمالًا احتياطيًا أكثر منه مشروعًا جاهزًا للتنفيذ.
أما المسار الثالث، فيقوم على تقليص الاعتماد على أي حضور دولي عسكري كبير، مقابل رفع قدرات الجيش اللبناني، بحيث تصبح الدولة اللبنانية تدريجيًا صاحبة العبء الأمني الأساسي في الجنوب. وهنا تحديدًا تصبح العلاقة بين "ما بعد اليونيفيل" ودعم الجيش علاقة عضوية، لا ملفين منفصلين.
باريس: من السياسة إلى دفتر حاجات الجيش
اجتماع باريس الأخير شكّل، بحسب مصدر فرنسي لـ"المدن"، انتقالًا من مستوى المواقف السياسية العامة إلى مستوى أكثر تقنية وعمليّة. فجوهر الاجتماع لم يكن إعلان أرقام مالية كبيرة، بل تحديد حاجات الجيش اللبناني، ومقارنتها بما تستطيع الدول تقديمه فعليًا.
وبعبارة أخرى، انتقل النقاش من سؤال "هل المجتمع الدولي مستعد لدعم الجيش؟" إلى سؤال أكثر تحديدًا: "ماذا يحتاج الجيش كي ينفّذ المهمّات المطلوبة منه، ومن يستطيع توفير هذه الاحتياجات؟".. تؤكد المصادر أن لائحة الاحتياجات التي طرحها الجيش أُخذت بجدية، وأن الاجتماع أتاح أيضًا للمؤسسة العسكرية عرض ما أنجزته من خطط أمنية والتقدّم الذي حققته على الأرض استنادًا إلى قرارات الحكومة اللبنانية.
فأيّ تقليص للحضور الدولي سيضع الجيش أمام مهمّات أكبر بكثير من تلك التي يؤديها اليوم، سواء في الانتشار، أو المراقبة، أو ضبط الحدود، أو الحفاظ على الأمن في مناطق حسّاسة. ولهذا، بات جزء أساسي من التفكير الأوروبي يقوم على تجهيز الجيش للمرحلة المقبلة، لا فقط على البحث عن جنود أوروبيين يحلّون مكان الجنود الدوليين. ومن هنا تأتي برامج دعم تشمل تطوير قدرات المراقبة، والطائرات المسيّرة، وضبط الحدود، والتدريب، والتجهيز، بما يسمح للمؤسسة العسكرية بتوسيع نطاق حضورها تدريجيًا.
نيويورك: معركة على شكل اليوم التالي
لهذا، تكتسب اجتماعات نيويورك أهميتها. فبحسب معلومات "المدن"، سيحضر ملف ما بعد "اليونيفيل" في لقاءات نواف سلام مع أكثر من طرف دولي، لا مع فرنسا وحدها، ولا سيّما مع الدول المؤثّرة في مجلس الأمن.
والبحث سيكون حول ثلاثة عناصر مترابطة: شكل البديل، ومهمّاته، والمرجعية التي يعمل تحتها. وهذا ما يجعل المعركة الدبلوماسية اللبنانية أكثر تعقيدًا من المطالبة بتمديد قوة أممية أو البحث عن بديل تقني لها. فما بعد "اليونيفيل" ليس مجرد بحث عن جنود جدد يرتدون قبعات مختلفة، بل عن النظام الأمني والسياسي الذي سيحكم الجنوب لسنوات.