ما سبب تجدد القصف الإسرائيلي لـ"علي الطاهر"؟

لم تمضِ ثلاثة أيام على إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس تدمير ما وُصف بأنه "أكبر منشأة عسكرية تابعة لحزب الله خارج إيران"، حتى عاد الطيران الحربي الإسرائيلي قصف مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية، بغارات مكثفة على دفعتين.

وأعاد هذا التطور الميداني المتسارع طرح تساؤلات بشأن حقيقة "إخراج المرتفعات المطلة على مدينة النبطية من دائرة المواجهة"، ومدى فرض السيطرة العملياتية المطلقة على الأرض وتحتها.

وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن نهاية الأسبوع الماضي إنجاز مهمة تفجير شبكة أنفاق معقدة في مرتفعات "علي الطاهر"، امتدت على مدى عقدين بتمويل وتخطيط إيرانيين، لتكون قاعدة لوحدة "بدر" التابعة لحزب الله.

واستخدمت الوحدات الهندسية الإسرائيلية أكثر من 1100 طن من المواد المتفجرة لتفجير المنشأة الواقعة تحت الأرض، ما تسبب في إحداث هزة أرضية بلغت قوتها 4.1 درجة على مقياس ريختر، شعر بها سكان الجنوب اللبناني والمناطق الحدودية.

ووفقًا للبيانات العسكرية الإسرائيلية، كانت الشبكة المستهدفة تضم 8 مسارات رئيسية، بطول إجمالي يتجاوز 5400 متر، وتحتوي على غرف قيادة ومستودعات أسلحة وعشرات الطائرات المسيرة الانتحارية وقذائف صاروخية.

إلا أن الصياغة التي استخدمها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي حينها، والمتمثلة في "تدمير معظم المسارات" بدلًا من "تدميرها بالكامل"، تركت الباب مفتوحًا أمام احتمالات تجسدت ميدانيًا، الأحد، مع تجدد الغارات على المنطقة.

شبكة أنفاق متشعبة
وأكدت مصادر لبنانية أن تجدد القصف الإسرائيلي لم يكن مفاجئًا لمن يعرف طبيعة المنطقة المستهدفة، مشيرة إلى أن البنية التحتية في مرتفعات علي الطاهر صُممت هندسيًا على مدار سنوات طويلة لتكون أشبه بـ"الشبكة العنكبوتية المتقاطعة"، وليس نفقًا مستقيمًا يمكن تدميره بضربة واحدة.

وأوضحت المصادر، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن تكتيك التفخيخ الإسرائيلي للتلة، رغم ضخامته، ركز على الممرات اللوجستية الظاهرة وغرف القيادة المركزية التي تمكن من رصدها عبر الروبوتات وأجهزة المسح الجيولوجي.

غير أن هناك عشرات الفتحات التمويهية والمتفرعات الطولية "العمياء"، التي تفصل بينها "بوابات انفجارية" مصفحة، لم تتأثر بالانفجار الكبير، وفق المصادر.

وأضافت أن عناصر من حزب الله، الذين انسحبوا تكتيكيًا من بعض المقار قبل التفجير، تمكنوا من إعادة استخدام نقاط متبقية مرنة، وهو ما رصده الطيران الإسرائيلي، ودفع القيادة العسكرية الإسرائيلية إلى معاودة استهداف المنطقة لمنع أي عملية تموضع جديدة أو استخدام لما تبقى من مسارات غير متضررة.

أهمية استراتيجية
وتكتسب مرتفعات علي الطاهر، التي ترتفع نحو 600 متر فوق سطح البحر شرق مدينة النبطية، أهمية عسكرية فائقة، لكونها تشرف ناريًا وجغرافيًا على مساحات واسعة تمتد من الساحل اللبناني ومجرى نهر الليطاني وصولًا إلى مستوطنات شمال إسرائيل، مثل المطلة وكريات شمونة.

وفي قراءة لهذا التطور، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء المتقاعد هشام أحمد أن السيطرة النارية الإسرائيلية على مرتفعات علي الطاهر وتفجيرها لا يعنيان بالضرورة نهاية المعركة في هذا المحور.

ويشير، في تصريح لـ"إرم نيوز"، إلى أن التفجير والضربات الجوية اللاحقة قد تكون تمهيدًا لنقل الثقل العسكري وتوسيع الهجمات باتجاه مدينة النبطية المجاورة.

ويضيف أن احتمال التقدم البري الواسع داخل مدينة النبطية يظل محفوفًا بالتعقيدات، فيما يتمثل السيناريو الأرجح في سعي الجيش الإسرائيلي إلى إعادة التموضع في محيط قلعة الشقيف التاريخية ومرتفعات علي الطاهر، للحفاظ على ما يُعرف بفلسفة "الخط الأصفر" شمال نهر الليطاني.

ويؤكد أن هذا التموضع يمنح إسرائيل أفضلية المراقبة الدائمة والتأثير الناري الكثيف على عمق التضاريس اللبنانية، دون خوض توغل بري.

وأمام هذا الواقع الميداني، يُظهر تجدد الغارات أن نسف الأنفاق باستخدام 1100 طن من المتفجرات لم يطوِ ملف علي الطاهر عسكريًا. وبدلًا من السيطرة البرية الثابتة، يرتكز السلوك الإسرائيلي حاليًا على المراقبة من الجو والتدخل الناري الخاطف لضرب أي مؤشرات على الحركة، وهو ما يحوّل المنطقة إلى ساحة استنزاف مفتوحة ومشتعلة حتى إشعار آخر.