المصدر: المركزية
الكاتب: جوانا فرحات
الجمعة 28 آب 2026 13:43:06
رميش دبل وعين ابل تحت حصار جغرافي. الخبر صادم. وفي التفاصيل أن الدخول والخروج من رميش ودبل وعين إبل بات محصوراً عملياً بطريق محدد باتجاه الناقورة وضمن قوافل منظمة مسبقاً والمطلوب من كل مواطن التسجيل مسبقاً وإدراج أسماء الأشخاص من كل الفئات العمرية بمن فيهم الأطفال مع صورة عن السيارات والآليات والبيانات الكاملة عنها، على أن تُرسل قبل 72 ساعة للحصول على الموافقة. وفي حال تعذر على الفرد الإلتحاق بالقافلة بعد الموافقة على إسمه يتوجب عليه انتظار شغور مكان في واحدة من القوافل المسموح عبورها أسبوعيا والمحددة على الشكل التالي: ثلاث قوافل لرميش وقافلة أسبوعية لكل من عين إبل ودبل، ما يجعل المواطن مضطراً إلى تنظيم حياته وفق جدول أمني لا وفق حاجاته اليومية أو على الأقل وفق الضرورات الصحية والحالات الطارئة والمزمنة.
لكن لحظة!!! من قال أن مسألة تقييد حركة سكان مثلث البلدات المسيحية في الشريط الحدودي أمرٌ مستجد؟ ؟ الخوري جورج العميل من بلدة رميش يقول لـ"المركزية" "هذا الواقع مفروض علينا منذ حوالى الثلاثة أشهر ونيف والقيود التي أضاء عليها الإعلام وبعض المسؤولين السياسيين نعيشها، لم تتغير منذ شهر حزيران الماضي من دون أن يرف للدولة جفن، علما أن رؤساء البلديات نقلوا هذا الواقع إلى رئيس الحكومة ومسؤولين حزبيين من خلال الزيارات التي قاموا بها ولم يحصل أي تطور يذكر ".
في التوقيت، يرجح الخوري العميل أن الإضاءة على هذا الواقع في الإعلام قد يكون مرده إلى التحركات والتصريحات ومناشدة رؤساء بلديات رميش دبل وعين ابل. لكن المصير المجهول بدأ يشتد. فالقيود المفروضة فرضت واقع نزوح جديد ومع فتح أبواب المدارس والجامعات قريبا سيتضاعف عدد العائلات التي ستضطر لمغادرة القرى لا سيما أهالي طلاب الجامعات والأشخاص الذين فقدوا مورد رزقهم وباتوا عاطلين من العمل. وما كان في السابق مجرد صعوبة في الوصول إلى هذه البلدات الحدودية، تحوّل اليوم إلى منظومة قيود تجعل حركة السكان مرتبطة بالمواعيد والموافقات والتسجيل المسبق والقوافل المنظمة.
في نيسان الماضي، قال رئيس بلدية رميش حنا العميل، باسم رؤساء بلديات القرى الحدودية، إن السكان يريدون البقاء، مطالباً الدولة بتأمين شريان تواصل مع الداخل اللبناني. وفي عين إبل، عبّر عضو المجلس البلدي طوني فرح عن طبيعة الأزمة بالقول إن البلدات الثلاث تعيش "كأنها في جزيرة"، بسبب القيود على التنقل والوصول إلى الأراضي الزراعية وإدخال المواد الأساسية.
أما موقف الأهالي فيتجاوز الشكوى" نريد أن نبقى، لكننا أيضا نريد أن نعيش وهذا التفصيل بالغ الأهمية، لأن المعاناة الإنسانية لا تعني بالضرورة تغيير الهوية السياسية. نحن لبنانيون، وهذه أرضنا، ولا نريد أن ندفع ثمن حرب لم نخترها. والخوف الأكبر ليس فقط من القصف أو من وقوع اشتباكات جديدة، بل من أن يتحول الوضع المؤقت إلى واقع دائم. ومن يدري قد تنتج هذه القيود العسكرية إذا استمرت لفترة طويلة واقعاً جديداً: طرق محددة، موافقات مسبقة، نقاط تفتيش، حركة تحت المراقبة، وصول محدود إلى الأراضي الزراعية، وصعوبة في الخدمات. ومع الوقت، يمكن أن تصبح الحياة في القرية نفسها أكثر كلفة وأقل استقراراً، ما يدفع بعض العائلات إلى المغادرة، ولو من دون قرار رسمي بالإخلاء".
ويختم الخوري العميل"هذا هو الواقع المؤلم ومن يدرك إلى أين نحن ذاهبون؟ لكن الاكيد أن ابناء هذه الارض الذين صمدوا لن يخضعوامهما اشتدت القيود، اهلنا قرروا يبقوا في بيوتهم، أن يصلوا إلى أراضيهم، أن يذهب مرضاهم إلى المستشفيات، أن تدخل المواد الأساسية، وأن تتحرك سياراتهم من دون أن تصبح كل رحلة بحاجة إلى إذن. ونرفض أن تتحول قرانا وبلداتنا إلى منطقة عازلة أو هامش منسي بين لبنان وإسرائيل. وسنجاهد للبقاء في أرضنا".
ربما تكون رميش ودبل وعين إبل اليوم أول اختبار عملي لما يمكن أن يكون عليه الجنوب اللبناني في مرحلة ما بعد انتهاء مهمة اليونيفيل في كانون الأول 2026. فالقيود لا تقول فقط للسكان"تحركوا وفق شروطنا" بل تعلن صراحة لأهالي مثلث البلدات المسيحية في المنطقة الصفراء والمجتمع الدولي أن أمن وسلامة حركة المدنيين باتت مهددة عندما لا تكون القوة الدولية موجودة. وهنا تتحول البلدات الثلاث إلى مؤشر مبكر على شكل المرحلة المقبلة. فإذا نجح لبنان في تأمين عودة الدولة وانتشار الجيش وضمان حرية الحركة وحماية المدنيين، فقد يكون انسحاب اليونيفيل انتقالاً منظماً للمسؤولية. أما إذا بقيت الطرق مقفلة، والبلدات معزولة، والحركة مرتبطة بتصاريح الجيش الإسرائيلي، فإن انسحاب اليونيفيل لن يكون مجرد نهاية مهمة أممية، بل قد يصبح بداية مرحلة أمنية جديدة في الجنوب. وهنا يصبح السؤال عن مصير هذه البلدات وأهلها عند مغادرة القوات الدولية مصيرياً. وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي يقترب موعده مع نهاية عام 2026.