المصدر: المدن
الكاتب: محمود وهبة
الخميس 17 أيلول 2026 01:02:57
ليومين متتاليين انعقد مجلس النواب لمناقشة الحكومة ومساءلتها. يومان كاملان من الخطب والمداخلات والردود والسجالات. مواضيع شتى ومتنافرة ومتناثرة كيفما اتفق، السِّلاح والحرب، الجنوب الرازح تحت وطأة القصف والتوحش الإسرائيلي والاقتصاد الذي يسير على كفّ عفريت. ناهيكَ باتفاق الإطار وخسائر الكهرباء وودائع الضحايا وملفات الإصلاح المنشود. مع كل هذه النقاشات يصعب على الناظر إلى الجلسات أن يدركَ ما الذي تغيَّر وما الذي بقيَ من هذر النواب بعدما انفضَّت الجلسة.
تكلَّم نواب الأمّة كثيراً. "علكوا" خطاباتهم لدرجة بدت معها هذه الكلمات المدبَّجة كأنَّها تنتجُ الكلام طبعاً بلا أيّ فاعليَّة سياسيّة. لم تختلف المداخلات عن سيرِها السابقة. فلكلِّ نائبٍ كلمته ومعجمه السياسي الجاهز. وجمهوره الذي ينتخبه كلّ ست سنوات ينتظره في ضيعه وحاراته ومدنه. وما أجمل هذه الفرصة الباهرة ليبرز نائب الأمة ويلقي خطابه ويري أولئك الذين استودعوه أنفسهم وأصواتهم ماذا يفعل من أجلهم. ها هو يلقي خطابه ويدلي بدلوه.
السيرك الصغير
وقفَ النواب ليومين متتاليين أمام أهلهم ومتابعيهم متناسين أنّ هذا البلد يعيشُ حرباً وجزءٌ من أرضه محتلَّة وقراه الجنوبيّة البعيدة تُجرَف وتُباد. في مكانٍ آخر "تتناتشُ" هذا البلد الصَّغير أزمته الاقتصادية التي تبلغ عامها السابع دون أيّ مبادرة للحل. ودون أيّ محاولة للسؤال عن الإصلاحات المؤجلة.
من جهته جاءَ رئيس الحكومة إلى المجلس بحمولةٍ واضحة. أرقام عن كلفة الحرب والدمار والنزوح والاقتصاد "الفارط"، معبراً عن كلّ هذه التفاصيل بخطاب سياسيّ واضح ودقيق حول التفاوض وحصريَّة السلاح والإصلاح وإعادة الإعمار. لكنَّ مثل هكذا خطاب قطعاً لن يلقى آذاناً صاغية. فبدلاً من أن يمسكَ البرلمان بهذه الملفات من طرفها المهم وجملتها المفيدة. حوَّل هذه الجلسة، في أجزاء واسعة منها، إلى حالة تفاهة سائدة. من الذي يتكلَّم وكم دقيقة ولماذا أعطيَ فلان عشر دقائق بدلاً من خمس. هل من حقِّ فلان أن يعترض وعلتان لم يتكلَّم بعد. وذاك الصهيوني الآخر الذي يجلس هناك يشتم ذاك العميل الإيراني الآخر ويكيلُ له ما تيسَّر من أحابيل الكلام المعسول. وهكذا مما ليسَ بجديد علينا كلبنانيين.
اعترض جبران باسيل على اختصار وقت المداخلات، فيما تمسّك نبيه بري بآلية إدارة الجلسة، ودخلت بولا يعقوبيان على خط النقاش حول مدة الكلام وإدارة الميكروفون في سجال محموم مع علي عمار ونالها ما ينالُها دائماً من نصيب في التطاول عليها فقط لأنها سيِّدة ولديها ما تقوله.
بدَتْ الجلسات تعبيراً كبيراً عن الانقسام السياسي. فحين قال أنطوان حبشي إنّ اتفاق الإطار يصبح أفضل إذا عُزّز موقف المفاوض اللبناني، وإنّ أنفاق علي الطاهر كان الأولى أن تُسلَّم إلى الجيش اللبناني، داعياً إلى إعطاء الجيش أوامر سياسية واضحة بدل وضعه "على طول ببوز المدفع"، جاءه الرد من نبيه بري: "زن كلامك قبل أن تقول ما قلته وأنا عم بعمل شغلي"، ليبادر إيهاب حمادة وإبراهيم الموسوي ويدخلا على خط السجال دفاعاً عن موقفهما من المقاومة والجيش.
أمَّا مداخلة ميشال معوض، فاتخذ معها النقاش منحى أكثر حدّة. دعا إلى بسط سلطة الدولة وربط الخروج من الأزمة بالسيادة والسلام والإصلاح، عندها اتَّسع السجال مع نواب حزب الله، ولا سيما إيهاب حمادة وزياد حواط، وتبادل الطرفان الاتهامات حول المسؤولية عن الحرب والجنوب وما قيل للبنانيين في شأن تلة علي الطاهر. ووصل الأمر إلى قول حمادة لحواط: "أنتم قوات إسرائيلية على البلد"، فيما ردّ حواط بأن "ما حدا بقى بيخاف منكم"، قبل أن يتدخل بري لوقف السجال.
بدوره هاني قبيسي قال إن المفاوضات لم تنفع وإن لبنان يفاوض تحت النار، في مقابل حليمة قعقور التي شددت على أن إيران لا تفاوض عن لبنان وأن لبنان يجب أن يفاوض عن نفسه، بينما انتقل رائد برو إلى سؤال تسليح الجيش وموازنة 2027.
أمَّا وضاح الصادق وحسين الحاج حسن فدخلا في سجال حول ما سموه "الهدايا" التي تحصل عليها إسرائيل، وانتهى النقاش بتدخل برّي ورفع الجلسة. هكذا بدَتْ الجلسات وكأنَّ خلف كل مقاطعة واتهام وصوت مرتفع يعودُ الخلافُ نفسه. دولة غائبة وتريد أن تستعيد قرارها، وقوى سياسية تختلف على معنى هذا القرار وحدوده وكيفية الوصول إليه، وحكومة مطالبة بتنفيذ المواقف. هذا كلُّه في ظلِّ المواطن المنتظر لأيّ بصيص أمل بعيداً من الكلام الفارغ والحشو.
تهريج برلماني
في مداخلته لـ"المدن" يرى الباحث محمد شمس الدين أنّ ما جرى في مجلس النواب على مدى يومين، ليس بالأمر الجديد. هو، في جوهره، المشهد نفسه الذي يتكرّر منذ عام 1990 إلى اليوم. كل ما يُحكى، هو كلام لمجرَّد الكلام. "عم يحكوا حكي ليخاطبوا الناس تبعهم من 1990 لليوم".
وبحسب شمس الدين، فإنّ هذه النقاشات لن تغيّر في المسار السياسي، ولا هي مخصّصة أصلاً لاتخاذ مواقف فعلية. "هي بالنهاية كلنا عارفين إنو مش لياخدو عليها موقف من الحكومة".
ولدى سؤالنا عن حال المجالس النيابية قبل 1990، يشير شمس الدين إلى أنّ المشهد البرلماني قبل عام 1990 كان مختلفاً، إذ كانت البلاد في حالة حرب، ولم يكن هناك نقل مباشر للجلسات، كما لم تكن هناك منافسة سياسية وإعلامية بالشكل الموجود اليوم. ويردفُ قائلاً: "قبل 1990 كان في حرب، وما كان يصير نقل، وما كان في منافسة، وما كان في جو تهريجي وإعلامي. بكل الحالات، ما عنا حياة برلمانية، ولا وزير سقط لأنو طُرحت الثقة فيه".
حفلة لتبادُل الاتهامات
يتبادل المسؤولون اللبنانيون المسؤولية كما يتبادل الأطفال الكرة. الحكومة تقول إن المجلس لم يشرّع. وبدوره المجلس يقول إن الحكومة لم تنفّذ. فريق يقول إن الفريق الآخر عطّل. وفريق يردُّ بأن الفريق الأول سلّم البلد لإيران وآخر مناوئ لإسرائيل. وبين هذا وذاك يبقى المواطن ينتظر الكهرباء والوديعة وإعادة الإعمار، والعودة إلى أرضه والدولة.
السجالات داخل القاعة كشفت شيئاً من المشهد. السجال بين علي عمار وبولا يعقوبيان، ثم امتداده إلى أشرف ريفي، مشهدٌ ابتلع جزءاً من المشهد النيابي. بولا تحديداً، تعرف كيف تدخل إلى هذا النوع من اللحظات. هي نائبة حاضرة، وصوتها واضح، وتعرف كيف تستثمر اللحظة السياسية والإعلامية.
النائب اللبناني يعرف أن أمامه دقائق قليلة، فيحاول ضغط سنوات من السياسة في تلك الدقائق. يرفع صوته، يختار الجملة القابلة للاقتطاع، يبحث عن العبارة التي تصلح عنواناً أو مقطع فيديو. ومن الطبيعي أن يفعل السياسي ذلك في عصر الإعلام والسوشال ميديا. لكن ما لا يعرفه نوَّاب الأمة أنَّ البرلمان يختلف عن إنستغرام.
مَنْ يسأل نواب الأمة؟
أمام هذه الحفلة التي امتدَّت ليومين في سبيل مساءلة الحكومة. يحقُّ لنا أن نفكِّر بشكل عاديّ أنّه بما أنّ هذه الحكومة تُسأل وتُساءَل، فلماذا لا يحق للبنانيين أن يسألوا نوابهم أيضاً. فالنواب من الدولة أيضاً. هؤلاء جزء من السلطة التي راكمت، عاماً بعد عام، القرارات والأزمات والتسويات والتأجيلات. لا يمكن أن يكون المجلس اليوم قاضياً بالكامل للحكومة، وهو في الوقت نفسه بريئاً من كل ما سبقها وكل ما أوصل البلد إلى هذه اللحظة.
يقفُ النائب أمام الكاميرا ليقول للحكومة: ماذا فعلتِ أيتها الحكومة؟ ثم يخرج من القاعة ويتوقَّع ألّا يسأله أحدٌ عمَّا فعله وراكمه من خراب وصمتٍ وتسويف وتقصير.
برِّي: الملل واللاجدوى
بدا نبيه بري، في بعض لحظات الجلسة، كأنه يدير مجلساً يعرف مسبقاً أن معظم ما سيُقال فيه لن يغيّر شيئاً. كثرة المقاطعات والسجالات وطلبات النظام والاعتراضات على الوقت تجعل رئيس المجلس مضطراً إلى إعادة ضبط القاعة أكثر من مرة.
أمام هذه المشاهد يفكِّر الناظرُ بلغة المجالس النيابية القديمة أو على الأقل التي من المفترض أن تكون موجودة اليوم. الاشتباك حول التشريع الحقيقي، والنقاشات الطويلة حول مشاريع القوانين والخطط الاقتصادية وربما الإصلاحات الدستوريَّة.
اليوم، يبدو النائب محتاجاً إلى أن يكون نجماً لمدة ربع ساعة. ربع ساعة أمام الكاميرات، وربع ساعة أمام جمهوره، وربع ساعة ليقول ما يريد أن يقوله. وإذا قال له رئيس المجلس: خمس دقائق، تبدأ المعركة: " ما بيكفّي دولة الرئيس".
خمسة نواب، والبقية تابعون
في تتمَّة حديثنا مع الباحث شمس الدين لفتَ إلى أنّ نبيه بري نفسه يتعامل مع المشهد انطلاقاً من خبرة طويلة مع الحياة البرلمانية، وصرَّح أنّ: "بتحس إنو بري كان عم يتفرّج على ما يجري، إنو بالأخير من الاستقلال لليوم، ولا حكومة سقطت. ما في نقاشات وصلت لمحل". ويشير كذلك إلى أنّ القوى الأساسية في البرلمان ما زالت تتحكم إلى حد كبير بمسار الحياة السياسية.
وفي الخلاصة، يرى شمس الدين أنّ المداخلات النيابية بحد ذاتها ليست معياراً للحكم على فعالية المجلس، لأنّ رئيس المجلس يبقى صاحب التأثير الأساسي في إدارة الجلسة ومسارها: "المداخلات ليست معياراً. والرئيس سيتحكّم بالجلسة. كلو حكي بحكي وتركيب".
وينهي مداخلته حول ما جرى بأنّه أقرب إلى "تهريج ولتّ وعجن"، في وقت تتداخل فيه الشعارات والمواقف، من "ضد المقاومة" إلى "حسب النظام الداخلي بدك تعمل جلسة للنقاش؟"، من دون أن ينتج عن ذلك أثر سياسي أو تشريعي فعلي. حركة بلا بركة" وبلا أيّ أثر.
في المركبِ نفسه
الشعب في النهاية، لا يعنيه من كان صوته أعلى في جلسات هذين اليومين. ما يعنيه هو الإنجاز الذي بقي في اليوم التالي. ولا شكّ أنّ الحكومة مسؤولة عن التنفيذ، مجلس النواب مسؤول عن التشريع والرقابة، والقوى السياسية جميعها مسؤولة عن الخيارات التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه.
ليس ملل نبيه بري وحده، إن صحّ أن المشهد يوحي بالملل، إنه ملل بلدٍ كاملٍ من الكلام الذي لا يصلُ إلى مكان. مللٌ من كومة سياسيين يشرحون لنا لماذا فشلَ الآخر. مللٌ من نائبٍ يشرح لنا لماذا لم يستطع أن يفعل. ملل من كل هذا الدوران حول السؤال، من دون الوصول إليه ولا حتى محاولة مقارعة إجابة له.
هذه هي الحياة السياسية اللبنانية نفسها. الجميع يتكلم، الجميع لديه روايته، الجميع يملك جزءاً من الحقيقة، والجميع تقريباً يريد أن يخرج من المسؤولية بأقل كلفة ممكنة.