"مخازن الظل".. حزب الله يستغل الأملاك الخاصة لإخفاء ترسانته بعيداً عن الجيش

كشف مصدر أمني لبناني لـ "إرم نيوز" إن حزب الله بدأ، خلال الفترة الأخيرة، نقل أجزاء من ترسانة أسلحته من مخازن ومواقع عسكرية معروفة إلى ممتلكات خاصة، ومستودعات تجارية، ومزارع، ومبانٍ يملكها أو يديرها أشخاص موثوقون ومرتبطون به، في تحول يهدف إلى توزيع السلاح على عدد أكبر من النقاط، وتقليل إمكانية الوصول إليه.

 وقال المصدر إن العملية لا تعني إخلاء المخازن المركزية بالكامل، وإنما "تفكيك جزء من منظومة التخزين"، عبر إخراج كميات من الأسلحة والذخائر والمعدات، وتوزيعها على مواقع أصغر لا تحمل طابعاً عسكرياً واضحاً.

وأضاف أن الحزب يعتمد، في بعض الحالات، على ممتلكات تعود لأفراد مرتبطين به أو يحظون بثقته، بينها مزارع ومستودعات تجارية ومبانٍ خاصة، ما يجعل إثبات الصلة التنظيمية بين المكان والحزب أكثر تعقيداً.

وبحسب المصدر، فإن هذه الخطوة ازدادت أهميتها بالتزامن مع توسع انتشار الجيش اللبناني ومشروع المناطق التجريبية في الجنوب، والضغوط الرامية إلى التأكد من خلو المناطق التي تنتقل إلى سلطة الدولة من أسلحة حزب الله. 

 عشرات النقاط

ويقول المصدر إن الحزب استخلص من الضربات الإسرائيلية خلال الحرب أن المخازن الكبيرة والثابتة أصبحت أكثر عرضة للكشف والاستهداف، بينما يوفر توزيع الموجودات على عدد كبير من المواقع الصغيرة قدرة أكبر على الاحتفاظ بجزء من الترسانة.

ولا يعني ذلك، وفق المصدر، أن جميع أنواع الأسلحة يمكن نقلها بالطريقة نفسها، إذ تبقى بعض المنظومات والمعدات بحاجة إلى منشآت مناسبة، لكن الأسلحة الخفيفة، والذخائر، والصواريخ المحمولة، والمعدات العسكرية، وقطع الغيار، يمكن توزيعها بسهولة أكبر على مواقع متعددة.

وتكتسب المعلومة أهمية إضافية بسبب تحول تفتيش الممتلكات الخاصة إلى واحدة من أعقد نقاط الخلاف في عملية حصر سلاح الحزب.
فقد أكدت تقارير حديثة أن إسرائيل تعتبر عدم تفتيش المنازل والممتلكات الخاصة ثغرة تسمح ببقاء أسلحة الحزب داخل المناطق التي يعلن الجيش تأمينها، بينما يرفض الجانب اللبناني تحويل انتشار الجيش إلى حملة تفتيش جماعية للمنازل.

وفي يوليو/تموز، أكد المدعي العام التمييزي القاضي أحمد الحاج أنه لم يُصدر قراراً يسمح بتفتيش أي منزل خاص، موضحاً أن أي طلب من هذا النوع يحتاج إلى إذن مسبق من النيابة العامة يستند إلى معلومات جدية تشير إلى وجود أسلحة.

كما يحمي الدستور اللبناني حرمة المنازل، فيما تؤكد السلطات القضائية أن امتلاك معدات عسكرية داخل منزل خاص لا يصبح مشروعاً بسبب هذه الحماية، لكن الدخول والتفتيش يجب أن يجريا وفق الإجراءات القانونية.

ثغرة الممتلكات الخاصة

ويرى المصدر الأمني أن هذه المساحة القانونية تمثل عملياً إحدى المشكلات التي تواجه الجيش، لأن العثور على موقع عسكري أو مستودع ظاهر يختلف جذرياً عن الاشتباه في منزل أو مزرعة يملكها مواطن.

ويقول إن الحزب: "يدرك جيداً حساسية دخول الجيش إلى المنازل، خاصة داخل البيئة الشيعية"، وإن انتشار السلاح في ممتلكات خاصة يمكن أن يجعل عملية البحث عنه أكثر بطئاً وتعقيداً، فضلاً عن احتمالات الاحتكاك مع السكان.

وتتقاطع هذه المخاوف مع النقاش الجاري حول آلية دولية محتملة للتحقق من نزع السلاح. فقد أفادت "رويترو" بأن إسرائيل ولبنان ناقشا مشاركة دول، بينها: بريطانيا، وإيطاليا، وسويسرا، وإندونيسيا، في آلية التحقق، لكن صلاحية دخول الممتلكات الخاصة بقيت من القضايا الخلافية، وسط إصرار إسرائيلي على ضرورة التفتيش، ورفض لبناني منح قوات أجنبية حرية دخول المنازل.

وتشير تقديرات بحثية حديثة إلى أن اختبار أي آلية لنزع السلاح لن يقتصر على المنشآت العسكرية والأنفاق، وإنما سيشمل كيفية التعامل مع الأسلحة الموجودة في الممتلكات الخاصة، وهي نقطة اعتبرها معهد الشرق الأوسط من العناصر الأساسية لقياس نجاح عملية تفكيك البنية العسكرية للحزب.

ووفقاً لما يقوله المصدر الأمني، فإن الخطورة هنا لا تتعلق فقط بما يمكن العثور عليه اليوم، وإنما بإمكانية بقاء شبكة التخزين موزعة بين عشرات المواقع الصغيرة حتى بعد إزالة المخازن والقواعد المعروفة. 

وتزداد أهمية المسألة مع إصرار إسرائيل على أن أي انسحاب من مناطق إضافية يجب أن يرتبط بقدرة قابلة للتحقق على منع حزب الله من إعادة بناء بنيته العسكرية، فيما تستعد أكثر من 10 دول أوروبية للمساهمة في مهمة لدعم الجيش اللبناني، من المقرر أن تبدأ خطواتها في أكتوبر/تشرين الأول. 

تحويل المجتمع إلى "مساحة تخزين"

ويرى الخبير العسكري والإستراتيجي محمد يوسف النور أن توزيع الأسلحة على ممتلكات خاصة، إذا اتسع نطاقه، سيشكل تحدياً أكثر تعقيداً من التعامل مع المخازن العسكرية التقليدية.

ويقول النور لـ"إرم نيوز": "المخزن المركزي نقطة يمكن رصدها ومراقبتها والسيطرة عليها، لكن توزيع الموجودات على عشرات المواقع الصغيرة يضاعف الحاجة إلى المعلومات الاستخبارية، ويجعل عملية التحقق طويلة ومعقدة".

ويضيف أن "المشكلة الأخطر تظهر عندما ينتقل السلاح إلى المجال المدني؛ لأن الجيش يصبح أمام معادلة أمنية وقانونية واجتماعية في الوقت نفسه. فهو لا يستطيع التعامل مع كل منزل باعتباره هدفاً عسكرياً، ولا يمكنه تفتيش الممتلكات عشوائياً".

وبحسب النور، فإن نجاح خطة حصر السلاح لن يقاس بعدد المستودعات التي يدخلها الجيش فقط، بل بقدرته على منع انتقال محتوياتها إلى أماكن أخرى، معتبراً أن "تفكيك المخزن دون معرفة أين ذهبت الأسلحة قد يغير مكان المشكلة ولا ينهيها".