"مخلب" الملالي يحوّل لبنان وحاضنته لـ "أكياس رمل"

غداة إطلاق ميليشيا "حزب اللّه" صواريخها الستة الضالة عن صراط الدولة والوطن والشرعية الدستورية وخطاب القسم والبيان الوزاري، نحا كثير من اللبنانيين، ساسة وعوام، باللائمة على الدولة وصناع قرارها بسبب تساهلهم خلال الفترة الماضية الموصل لهذه النقطة.

لا ريب أن المسؤولية المعنوية تقع على عاتق لبنان الرسمي، خصوصًا أن "الحزب" ممثل على طاولة مجلس الوزراء. غير أن القوى الدولية والعربية نفسها المعنية بالشأن اللبناني وازنت في مواقفها بين المسؤولية الطبيعية وبين المتاح، لتوظيف الصواريخ الضالة ضمن سياق الضغوط الرامية إلى دفع الدولة نحو تبني موقف أكثر جدية وحدّة تجاه "الحزب" وسلاحه.

في الواقع، منذ انطلاق الحرب الأميركية – الإسرائيلية على نظام الملالي، سارع رئيس الجمهورية إلى تبني استراتيجية طوارئ من عدّة مسارات متوازية لتحصين لبنان وتدعيم موقفه المحايد إزاء الصراع. إذ دعا إلى اجتماع لـ "المجلس الأعلى للدفاع" لتفعيل التنسيق الأمني والاستخباراتي إلى أقصى درجاته، بغطاء من السلطة السياسية، إلى جانب تعزيز الانتشار العسكري، بغية ضبط الوضع الأمني، ومنع تحرّك أي جماعة مسلّحة لإطلاق صواريخ أو استهداف سفارات أو مصالح أجنبية.

في موازاة اتخاذ مقرّرات للحؤول دون استغلال أي "كارتيل" للوضعية الراهنة من أجل افتعال أزمات على صعيد المحروقات والمواد الحيوية. ناهيكم بممارسة ضغوط قصوى على "الحزب" عبر قنوات التواصل وأبرزها الرئيس نبيه برّي، ولا سيّما بعدما تلقى لبنان الرسمي رسالة حازمة بأن أيّ تحرّك عسكري سيضع لبنان على فوّهة البركان.

فعليًا، عمِل رئيس الجمهورية بالتنسيق مع رئيس الحكومة على إقفال كلّ النوافذ والكوّات في البيت اللبناني لحمايته من تأثير رياح الحرب التي تهبّ من إيران. بيد أن الإشكالية الكبرى تتمثل في أن للبيت اللبناني بابًا متصلًا بالنفوذ الإقليمي، وثمّة نسخة عن مفتاحه في طهران يقبض على شيفرتها الحرس الثوري، وخصوصًا ضباطه المنتشرين في ربوع "الحزب" ورعايته.

 فعّل الرئيس جوزاف عون اتصالاته الخارجية حيث كانت هناك اتصالات مفتوحة مع الإدارة الأميركية وقادة الدول العربية والخليجية، حرص من خلالها على تموضع لبنان تحت المظلة العربية الواسعة. غير أن نظام الملالي اندفع إلى الاعتداء على سيادة لبنان عبر مخلبه "حزب اللّه"، وتحويل حاضنته بالذات إلى أكياس رمل، أسوة باعتداءاته على دول الخليج لتوسيع مدار الصراع، وإشعال المنطقة بأسرها عبر توريط المزيد من الساحات.

فلا يعتقدنّ أحد أن قرار التورّط بالحرب من عدمه هو بيد قيادة "الحزب"، بل إن المستوى السياسي فيه لم يكن على علم بعملية إطلاق الصواريخ. يمكن الاستدلال على ذلك بالإرباك الذي ساد أوساط الممانعة ومؤثريها وأبواقها لبرهة زمنية، ومسارعة الكثير منهم للتبرّؤ من مسؤولية الصواريخ الضالة. قبل أن يصدر بيان التبني الرسمي بمدد خطّه ضباط الحرس الثوري أنفسهم، وبصيغة ركيكة بيّنت أن العملية تندرج في سياق الردّ على اغتيال المرشد علي خامنئي، حشرت فيها حشرًا الاستهدافات الإسرائيلية وبشكل غير مقنع. لم يستثمر نظام الملالي في "حزب اللّه" طوال 4 عقود ونيف ليكون قاعدة نفوذ فحسب، بل أيضًا قاعدة دفاع متقدّمة عنه في لحظة العسرة. وأيّ عسرة أشدّ من التي يعيشها راهنًا.

وليس صناع القرار في الدولة سذجًا كي يصدّق أيّ منهم أن "الحزب" لديه أرجحية الاختيار، لكنهم مارسوا كلّ الضغوط الممكنة لاجتذابه نحو مصالحه وحاضنته، عبر ترغيبه وتخييره بين الركون إلى كنف الدولة وبين الوقوع فريسة للآلة العسكرية الإسرائيلية، إلّا أنه دومًا كان يختار الخيار الثاني في كلّ مفصل، حتى في الهوامش الضئيلة التي كانت متاحة أمامه لأنه يعدّ نفسه فوق الدولة. فمن الناحية النظرية، تقتضي مصلحته في ظلّ التهديد الوجودي الذي يكابده، التمترس خلف حياد الدولة، إلّا أن للأيديولوجيا ورباطها المقدس كلامًا آخر.

وعليه، فإن رئيس الجمهورية وصناع القرار اليوم أمام تحدي تغيير استراتيجية التعامل مع "الحزب" من إدارة الصراع إلى إدارة المواجهة. بدءًا بقرار مجلس الوزراء بحظر ميليشياته، والذي تمّ بالتنسيق مع واشنطن والعواصم الأوروبية والعربية، وحظي بثناء آموس هوكستين في دلالة حتى على تأييد الديمقراطيين. مرورًا ببلورة موقف رسمي باعتبار عملية إطلاق الصواريخ اعتداءً إيرانيًا على السيادة اللبنانية، يستتبع فضح نشاط ضباط الحرس الثوري في لبنان. وصولًا إلى طرح قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران راهنًا على الطاولة، وإقالة الوزراء الناطقين بلسان الميليشيا لقطع الطريق أمام استغلال هذه الورقة من قبل إسرائيل. هذه هي الأوراق المتاحة أمام الدولة لتوظيفها ضمن سياق جهودها الخارجية لإيقاف الحرب.

وتبقى الإشكالية الأهمّ في كيفية تعامل الجيش اللبناني مع "الحزب" ميدانيًا، والذي يحتاج إلى توفير مظلة دعم سياسي أكثر حسمًا. يقول ديفيد شينكر مساعد وزير الخارجية الأميركية الأسبق في مقال له يوم السبت بصحيفة الشرق الأوسط إن "لبنان وجيشه قادران على إحراز تقدّم نحو نزع سلاح "حزب اللّه"، وإذا اختار الجيش ألّا يفعل فإن سلاح الجوّ الإسرائيلي سيتولّى المهمة".