مشاهدات مدّعى عليه من داخل قصر العدل

كان ذلك في الخريف الماضي حين تبلّغ الكاتب وجوب حضوره إلى محكمة المطبوعات مع إطلالة فصل الربيع. السبب بيان دفاعه بإحدى الدعاوى المقامة ضدّه بجرم القدح والذمّ والتشهير والافتراء. مهما اشتدّت عزيمة المرء، يبقى من الصعب التأقلم مع الأيام الأخيرة التي تسبق الجلسة. ولا شيء يضاهي توتّر الساعات القليلة التي تفصل عن الموعد المحدّد. ليس خوفاً بقدر ما هو قلق ممّا ينتظر الداخل إلى قصر العدل.

أول ما يفكّر به المدّعى عليه طبعاً هو توكيل محامٍ يثق به. «لكن لا، عليك أن تلجأ إلى محامٍ نافذ أو مقرّب من أصحاب النفوذ»، كما ينصح البعض. لا غرابة في ذلك بعد أن بات القضاء- وليس جميع القضاة بالتأكيد- رمزاً للمحسوبيات. صراع عقلي ونفسي قبل أن ينتفض المدّعى عليه على نفسه ويحسم خياره ويوكّل محامياً في نهاية المطاف.

اليوم المحدّد للمحاكمة ليس كسائر الأيام. ورغم أن إشعار التبليغ يحدّد وجوب الحضور عند الساعة العاشرة صباحاً تحت طائلة المحاكمة بالصورة الغيابية، غير أنه يتعذّر على المدّعى عليه إلّا أن يكون جاهزاً قبل بزوغ الفجر، ليعيد قراءة الملف بـ»الشاردة والواردة». فمن يدري ماذا سيُطرح من أسئلة؟ وما الذي يمنع أن يتوجّه الريّس بالسؤال مباشرة للمدّعى عليه بدلاً من وكيله القانوني؟ يصل الإثنان إلى قصر العدل، وتبدأ المعاناة ليزيد التوتّر توتّراً. تفاصيل صغيرة لا تخطر على بال إلّا من اعتاد ارتياد ذلك المكان.

لا حول ولا قوّة

البداية «مسك» مع ذلك الباب الوحيد الأوحد الذي يحقّ للقادم الدخول منه وسط زحمة خانقة من المتدافعين. أكثر من مئة شخص ينتظرون دورهم للمرور عبر نقطة التفتيش. أما المعاملة، فحدّث ولا حرج. «رشّة» تعالٍ فوق «طبق» صراخ على «طاولة» من بعض محاولات التنمّر والـ»هضمنة». هذا لا سيّما إذا ما كان من يقف في الصف سيّدة لم تحسن اختيار ملابس تليق برحلة الانتظار وتتلاءم مع مكان يختلط فيه الرجال والنساء من شتى البيئات. يقترب الداخلون شيئاً فشيئاً، إلى أن يتنفّسوا الصعداء بعد إنجاز المهمة الأولى بنجاح. لكن مهلاً. ما زالت الطريق في بدايتها. وما أُنجز ليس سوى المهمة الأسهل من مهمات ذلك اليوم الطويل.

يرى المدّعى عليه وكيله القانوني ينتظر في الداخل فيهرول نحوه كمن يطلب النجدة. يبتسم الوكيل في وجه موكّله ويحاول أن يلهيه بـ»سوالف» من هنا وهناك ليخرجه من جوّ التوتّر البادي على محيّاه. طبعاً. هو يعلم جيّداً ما تخبّئه المرحلة الثانية. إنها العاشرة. الموعد المرتقب. يتوجّه الإثنان صعوداً. يسرعان كي لا يسبقهما القاضي، ليجدا عشرات الأشخاص قد سبق وحجزوا لهم مقاعد على متن رحلة الانتظار. أصبحت الساعة الحادية عشرة و»الريّس» لم يصل بعد. والإثنان متسمّران وقوفاً. حالة من التململ تسود المكان خصوصاً من جهة المحامين المرتبطين بمواعيد جلسات أخرى. هنا يظهر التعاضد المهني. يتبادل المحامون أرقام الهاتف أملاً بأن يتمّ إبلاغهم حين تلتئم هيئة المحكمة، أي القضاة الثلاثة. حلّ الظهر والحال هي هي. يسأل المدّعى عليه وكيله القانوني: «لماذا لا يحترم القاضي التوقيت المحدَّد للجلسة؟ وهل من إجراء يُتّخذ في هذه الحال؟ وهل يحقّ لنا مغادرة المكان بعد أن انتظرنا لساعات؟». فيجيبه مبتسماً مجدّداً: «انتظر وما تفكّر تفلّ، أحسن ما تطلع براسَك». فسلّم الإثنان أمرهما لمشيئة الله... والهيئة.

وصلوا...

«ستُعقد الجلسات في مكتب القاضي وليس في قاعة المحاكمات». إجراء فجائي تُبلّغه حضرة الكاتبة للموجودين، ما يزيد التساؤلات. هل يُعتبر الإجراء طبيعياً أم أن ثمة قراراً سيتمّ اتخاذه بحقّ أحد المدّعى عليهم؟ تطمينات الوكيل القانوني في هذه الحال لا تعود كافية ليحافظ المدّعى عليه على رباطة جأشه، لا سيّما وقد بدأ يشعر بانقطاع الأكسجين بعد ارتفاع منسوب الاكتظاظ ما بين طوابق «القصر» شبه المظلمة. لكن، خلال ساعات الانتظار تلك، لا بدّ وأن يتنبّه المرء لكيفية تمييز القاضي/(ة) عن «الآخرين».

مرّت نصف ساعة على انتصاف النهار. تطلّ من بين الجموع شخصية شامخة موزّعة الابتسامات يميناً ويساراً، في محاولة لامتصاص غضب المنتظرين لأكثر من ثلاث ساعات. «يعني شو بدنا نعمل. بدنا نلحّق على جلسات بكلّ المحاكم وما خلصت لهلّأ». نعم. وأخيراً. يدخل رئيس المحكمة بسرعة البرق إلى مكتبه. يجلس على كرسيه محاطاً بقاضيتين من مستشاريه، واحدة عن يمينه وأخرى عن يساره. أما الكاتبة فتجلس قبالته. حسناً. يتساءل السائل في قرارة نفسه عن المعايير التي على أساسها تُحدَّد تراتبية الملفات. فيجيبه تدافُع المحامين على تمرير ملفاتهم بحجة كونها بداعي التأجيل لا غير. تأجيل إلى نهاية العام، لا أكثر، في ظلّ غياب أي اعتراض. فتُسمع عبارات على شاكلة: «الكلّ مسلّم للأمر الواقع وشاكر ربّو ما راحت الجلسة سنة أو سنتين». لكن لماذا على المدّعى عليه أن يتكبّد عناء الضغط النفسي لأشهر وسنوات وقد حضر مع وكيله القانوني لمعالجة مسألة الادّعاء ذاك بحقّه؟ مجرّد تساؤل.

نموذج عن جلسات

تبدأ الجلسة الأولى لتُخرج الجميع من دوامة التساؤلات، رغم أن هناك من يتمنّى لو لم يخرج منها. الاستهتار في النظر بالجلسات وواقع أن القاضي لم يكلّف نفسه عناء الاطلاع على الملفات، يتسبّب بذعر يتمدّد إلى الأقدام المخدّرة من الوقوف المتواصل أصلاً. «شو صار بالجلسة الماضية؟»، يسأل القاضي المحامي. سؤال وجيه بغياب «تحضير» الملف. على أي حال، تلك كانت الجلسة الأولى المخصصة للمرافعة، حيث قرّر القاضي ترك الملف جانباً والدخول بـ»صلحة»، رغم تأكيد الوكيلين القانونيّين للطرفين المتنازعين على أن المرافعات ستكون خطيّة وليس شفهية. «ليش ما بتتصالحوا؟ إنتوا مؤسسة إعلامية عزيزة علينا وإنتوا سفارة ودولتكم عزيزة على قلبنا. بتمنّى نسكّر الملف وتوصلوا لمصالحة». تجيب الوكيلة القانونية للسفارة بأنه يتعذّر عليها ذلك طالبة تحديد موعد للحكم (فالسفارات، كما أجمع المحامون المتواجدون في المكان، لا تدخل بمصالحات). يحدّد القاضي موعداً، لكن، للأسف، تتدخل إحدى المستشارتين لتعلمه أنها ستكون غائبة بداعي السفر في التاريخ المحدّد. يسود الصمت لبرهة. لكن لا مشكلة. يؤجَّل الموعد إلى تاريخ لاحق. وإلى جلسة أخرى.

قبل ذلك تسأل إحدى المستشارتين: «أما كان يجب حضور النيابة العامة الغائب ممثّلها قبل تعيين موعد الحكم؟». يتنبّه الريّس ويلتفت إلى الكاتبة والحضور: «اركضي... اركضوا نادوهم بسرعة قبل ما يفلّوا... إلتهينا بالمصالحة ونسينا ممثّل النيابة العامة». يتصل الأول بالثاني ويطلب منه الحضور إلى مكتبه. وإلى حين حضوره... إلى الجلسة التالية. راح المدّعى عليه ينظر إلى وكيله ويسأله بلغة الإشارة إن كان ما يراه صحيحاً. حلمٌ أو حقيقة. يبتسم الوكيل أيضاً وأيضاً وكأنه يدعو موكّله لمزيد من الصبر. تبدأ الجلسة الثانية التي انتظرها المحامون المعنيون قرابة أربع ساعات وقوفاً. فينهيها القاضي بدقيقة واحدة مصدراً قراراً بتأجيلها لأكثر من ستة أشهر كون أحد الأطراف لم يُبلَّغ. ستة أشهر تأتي عقب مثيلاتها للغرض عينه.

... وجاء الفرج

وها هو دور المدّعى عليه قد أتى. أحاسيس ممزوجة بين الخوف من «خبصة» محتملة في الملف وبين الرغبة بمغادرة المكان بأقلّ الأضرار الممكنة. ولكن... مصير هذه الجلسة، هي الأخرى، التأجيل لنهاية العام. أما السبب فحائل قانوني بين وكيل المدّعى عليه والقاضي يمنع متابعة الإثنين لنفس الملف، تزامناً وكلّ من موقعه. يلفت الوكيل نظر القاضي إلى أن السبب نفسه يحول دون رفع الجلسة الأولى- جلسة المؤسسة الإعلامية والسفارة- للحكم. غضب وارتباك يدفع القاضي للطلب إلى الوكيلين القانونيّين المعنيّين الانتظار على أمل إيجاد حلّ ما.

إلى موعد جديد نهاية العام. يهمّ الوكيل وموكّله بالمغادرة فيما البلبلة تسود أرجاء المكتب. الإثنان، كما الجميع، كانا بحاجة لتنشّق بعض الهواء والتعرّض لقليل من أشعة الشمس. مغادرة على وقْع الذهول. فما يسمعه المرء يبقى غير مثبت إلى أن يختبره بنفسه. «بعد ما شفتوا شي»، كلام يتردّد صداه في المكان.

هناك، في زاوية ليست ببعيدة داخل قصر العدل، ثمة وفد رفيع المستوى يُستقبل بحفاوة ملؤها حسن الضيافة. أما المحامون الذين ما زالوا ينتظرون دورهم منذ الصباح، فـ»شربة مَيّ ما حدا سقاهم». أصعب ما في الأمر أن يكون المرء شاهداً على ترنُّح علامات المساواة والعدل داخل حصنه المنيع. انطباع، بغضّ النظر عن الملف، خيّم على كثير من مشاهدات ذلك اليوم الطويل.