المصدر: eremnews
السبت 17 تشرين الأول 2026 19:04:21
أظهرت معطيات جديدة، حصل عليها "إرم نيوز"، تفاصيل خطيرة عن البنية التحتية لمشروع حزب الله في غرب أفريقيا.
وتتوافق ملفات الفساد مع تهريب الأموال، إلى جانب التحالف مع الجماعات المحلية المتطرفة، ضمن ما بات يطلق عليه في الدوائر الاستخباراتية الأميركية بمشروع "كاسندرا".
وأماطت تقارير استخباراتية ودراسات أمنية اللثام عن تفاصيل مشروع "كاسندرا" في غرب أفريقيا، حيث تعمل ماكينات الظل والمال الخفي بكامل طاقتها لتأمين شرايين الحياة للبنية التحتية للميليشيا، وأكدت أنّ المنطقة باتت بؤرة استراتيجية عالمية لغسيل الأموال وتمويل الأنشطة العابرة للحدود.
وفي وثيقة تحليلية بارزة صادرة عن مؤسسة "كونراد أديناور" الألمانية ومشروع مكافحة التطرف، تقاطعت معظم التفاصيل الواردة مع تقارير صحفية استقصائية ألمانية وبيانات دوائر الاستخبارات الأميركية.
وقالت جميع التقارير إنّ ميليشيا حزب الله تمكنت من بناء منظومة متكاملة من العلاقات البينية القائمة على تبادل المنفعة بين واجهات تنظيمية وشخصيات سياسية واقتصادية نافذة في تلك الدول.
بين "الفن" و"الفناء"
من بين هذه الشخصيات "ناظم سيّد أحمد"، وهو رجل أعمال لبناني وتاجر في قطاع الماس والفن التشكيلي في أبيدجان (عاصمة كوت ديفوار)، أدار شبكة غسيل أموال عبر تجارة اللوحات الفنية الثمينة والأحجار الكريمة لتهريب مئات الملايين من الدولارات نحو لبنان.
ومن بينها أيضا قاسم تاج الدين، الذي وصفته وزارة الخزانة الأمريكية بأكبر ممولي ميليشيا حزب الله، حيث بنى إمبراطورية تجارية تمتد من سيراليون إلى أنغولا، متخصصة في تجارة المواد الغذائية والدعم المالي عبر شركات واجهة.
وفرضت الخزانة الأمريكية عقوبات وغرامات قاسية بلغت نحو 50 مليون دولار كعقوبة قانونية على قاسم تاج الدين إثر إدانته وسجنه لثلاث سنوات كاملة.
وفي الواجهة أيضا علي السيد وإبراهيم طاهر، وكلاهما، وفق المصادر الأميركية، استغلا مناصبهما كقناصلة شرفيين في غينيا لإبرام وساطات لربط شبكات رجال الأعمال بمسؤولين حكوميين فاسدين، مستغلين الحصانات الدبلوماسية لنقل الأموال والوثائق بعيدا عن أعين الجمارك.
آخر هذه الشخصيات – ولا يبدو أنه أخيرها - محمد بازي الشريك النافذ للديكتاتور الغامبي السابق يحيى جامع، الذي أحكم سيطرته على واردات الوقود الوطنية في غامبيا واستغل نفوذه السياسي لتمويل الميليشيا.
وبحسب المصادر الاستخباراتية والأمنية، فإنّ كل اسم من هؤلاء وغيرهم، يمثل شبكة معقدة من التدفقات المالية المشبوهة والعلاقات غير المشروعة بالميليشيات المحلية والانخراط في صفقات غير قانونية بواجهات تجاريّة.
نموذج اقتصادي دائريّ
تتم الاستفادة البينية عبر نموذج اقتصادي دائريّ، يقوم على جمع عائدات تجارة المخدرات مثل (الكوكايين) في أفريقيا، وتحويلها إلى سلع استهلاكية وسيارات تصدّر في القارة، لتتحول في النهاية إلى أموال نقدية سائلة تُنقل إلى بيروت أو تدار عبر نظام الحوالات، الأمر الذي يخلق اقتصادا موازيا يدمر الشركات المحلية النزيهة ويقوض سلطة الدول.
وفي تفسيرهم لأسباب تسمية عمليات التدقيق والمتابعة بـ"كاسندرا"، يؤكد المختصون أنّ التسمية مستمدة من رمزية تاريخية وأسطوريّة إغريقية، ممثلة في شخصية "كاساندرا" التي حملت نبوءة "معرفة الحقيقة المطلقة" ولكن حُكم عليها ألّا يصدقها أحد حتى تقع الكارثة.
وقد أُطلقت هذه التسمية على التحقيقات التي وثقت كيف أنشأت ميليشيا حزب الله إمبراطوريات مالية واقتصادية متشعبة تحت غطاء الأنشطة التجارية المشروعة، في وقت كانت فيه الاستخبارات الدولية والغربية تُركز جل اهتمامها على العمليات العسكرية المباشرة متغاضية عن الأخطار الناتجة عن الاندماج المالي والاقتصادي غير المشروع لهذه الشبكات في قلب الدول الأفريقية الهشة، لتتحول هذه النبوءة المتجاهلة إلى واقع ماثل يهدد استقرار دول بأكملها.
من الأسطورة إلى الواقع
ويبدو أنّ نبوءة "كاسندرا" باتت أمرا واقعا وماثلا حيث تُظهر البيانات الكمية المستخلصة من الوثائق الاستخباراتية والتقارير البحثية الأمنية حجماً هائلاً لعمليات النهب وغسيل الأموال.
ووثقت التحقيقات في "مشروع كاسندرا" أن البنك اللبناني-الكندي (LCB) المتورط في شبكة تمويل "حزب الله"، كان يغسل شهرياً مئات الملايين من الدولارات لصالحها.
كما قام ناظم سيد أحمد وحده بتحويل مئات الملايين من الدولارات عبر شبكات شركات معقدة بين عامي 2020 و2022.
وفي استقرائها للتداعيات السلبية والخطيرة لهذه الشبكات على الاقتصاد المحليّ، تشير تقديرات دولية إلى أن الأنشطة غير المرخصة وشبكات التهريب ساهمت في تراجع القدرة التنافسية للقطاع الخاص المحلي بنسب تتجاوز 40% في بعض القطاعات الحيوية في العديد من الدول الأفريقية، بينما تراجعت فيها الاحتياطيات النقدية الرسمية الهشة أصلا نتيجة تفشي عمليات تهريب العملة الصعبة والذهب والماس غير المشروع.
وتُؤكد في هذا السياق أنّ شبكات الظل باتت تُهندس انهياراً اقتصادياً وأمنياً متكاملاً يخدم بطريقة غير مباشرة تمدد الجماعات الجهادية المتطرفة في منطقة الساحل الأفريقي نتيجة انهيار ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية وسقوطها في فخ الرشوة والفساد المنظم.