المصدر: نداء الوطن
الكاتب: رفيق خوري
الخميس 30 تموز 2026 07:36:10
لبنان ليس بالنسبة إلى إيران مجرد ورقة على طاولة التفاوض مع أميركا. ولا هو فقط جبهة إسناد لها في الحرب مع واشنطن وتل أبيب. وسلاح "حزب الله" لیس مجرد أداة عسكرية في مقاومة إسرائيل سواء كانت تحتل أرضًا لبنانية أو مصدر خطر من دون احتلال. دوره لا يتوقف عند حدود لبنان. والوقت حان للتوقف عن خداع النفس وتبسيط ما هو معقد واستسهال ما هو صعب. فالارتباط العضوي بالجمهورية الإسلامية ومشروعها و"الولاية" يتجاوز حتى دور السلاح. والتجارب أكدت أن مشكلة السلاح أكبر من لبنان، وأن معالجتها تكون بحل کبير على مستوى إعادة تشكيل الشرق الأوسط أو لا تكون.
أما اتفاق "الإطار الثلاثي"، فإنه خطوة على الطريق الصحيح إلى حل على خرائط أشمل من خريطة الوطن الصغير. وأما اتكال الدولة على الزمن لإيجاد حلّ للسلاح، واتكال الرئيس دونالد ترامب على الرئيس السوري أحمد الشرع أو على بنيامين نتنياهو للحل العسكري، فإنهما هروب من الحل إلى ما هو أخطر من الوضع الحالي عبر حروب تقود إلى حروب أكبر من دون إيجاد حل.
ذلك أن لبنان المتعب اليوم من ربطه بحرب إيران عبر سلاح الحزب" ومن الاحتلال الإسرائيلي، دفع غالبًا ثمن الأدوار العسكرية الخارجية على أرضه. وكل ما يريده هو استعادة السيادة وقرار الحرب والسلم. ودمشق الرافضة للتدخل تعرف أن عملها العسكري ضد "الحزب" يقود إلى حرب مذهبية عربية، وبالتالي فإن ما يمكن أن تقدمه هو حراسه شعار لبنان القديم "لا ممر ولا مقر" بعدما جعله حكم آل الأسد ممرًا للسلاح ومقرًّا للنفوذ السوري والإيراني. وحرب نتنياهو مرشحة لتدمير كل لبنان مثل غزة. وإذا كان درب الانسحاب الإسرائيلي ضمن الاتفاق الإطاري طويلا وشاقًّا، فإن رهان "الحزب" على طهران لإخراج إسرائيل من لبنان سريعًا بلا قيد ولا شرط بالتفاوض مع أميركا هو رهان على وهم. فاللعبة بين أميركا وإيران معقدة جدًّا في حرب ناقصة مرشحة لأن تكتمل. وأي صفقة بشأن لبنان وسوريا وغزة لن تکون لحساب إيران بل لحساب أميركا التي التزمت في الاتفاق الإطاري سيادة لبنان.
وليس جديدًا قول "حزب الله" إن سحب سلاحه هو نزع أوراق قوة للبنان. فالسلاح هو ورقة قوة لإيران. ورقة قوة لا تحمي لبنان ولا طائفة ولا حتى نفسها. واستعمالها في الحروب لإسناد غزة وإيران قاد إلى عودة الاحتلال. وهذا ما فرض على بيروت الانتقال من كون المطلب الأقصى هو تطبيق القرار 1701 إلى كون الحد الأدنى هو الاتفاق على "إنهاء حال العداء على الطريق إلى السلام المستدام". لا بل فرض ربط الانسحاب الإسرائيلي بسحب السلاح، لأن الاحتلال جاء بسبب حروب الإسناد.
وعلى الرغم من الاتفاق الإطاري، فإن التساؤل، مجرد التساؤل، إن كان "الحزب" سيعمد إلى إسناد إيران في معاودة الحرب: هو تأكيد على أن قرار الحرب والسلم لا يزال في يد إيران ويد إسرائيل، لا في يد الدولة. والسؤال الأبسط هو: متى أقام "الحزب" كل هذه الأنفاق وزاد من تسلحه الصاروخي برًّا وجوًّا وبحرًا وشكّل سلاح المسيّرات؟ أليس في غياب الاحتلال الإسرائيلي بعد انسحابه عام 2000 وتكريس الخامس والعشرين من أيار "عيد المقاومة والتحرير"؟ أليس تحت أنظار "اليونيفيل" والدولة وإسرائيل التي كشفت الحرب أنها تعرف أدق الأسرار والتفاصيل لدى "الحزب"؟
المخيف هو أن المزيد من سلاح "الحزب" يؤدي إلى المزيد من الاحتلال الإسرائيلي والنفوذ الإيراني، وبالعكس.
وقديمًا قال فرنسيس بيكون إن "الأشياء تتجه تلقائيًّا نحو الأسوأ إن لم يتم توجيهها عمدًا نحو الأفضل".