المصدر: لوريان لوجور
الكاتب: الكسندر حداد
الاثنين 29 حزيران 2026 13:04:04
بعد أكثر من ست سنوات على انهيار النظام المالي في لبنان، لا يزال القطاع المصرفي عاجزًا عن استعادة دوره التقليدي في تمويل الاقتصاد، إذ تراجعت القروض العقارية إلى مستويات شبه معدومة، واقتصر التمويل على عدد محدود من القروض السكنية التي يقدمها مصرف الإسكان، فيما بقيت القروض الاستهلاكية محدودة، واستمرت الشركات، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة، في مواجهة صعوبات كبيرة للحصول على التمويل.
وفي ظل هذا الواقع، أصدر مصرف لبنان في 21 أيار/مايو 2026 ثلاثة تعاميم جديدة تهدف إلى إعادة تنظيم سوق التمويل غير المصرفي، في خطوة يعتبرها مراقبون تمهيدًا لمرحلة انتقالية تسبق إعادة هيكلة القطاع المصرفي.
إطار قانوني جديد لشركات التمويل
يرتكز الإصلاح على القرار الأساسي رقم 13819، الذي يستبدل النظام المعتمد منذ عام 1998 بإطار تنظيمي جديد للمؤسسات المالية غير المصرفية، ويحولها إلى "شركات تمويل" تتمتع بصلاحيات أوسع، مقابل تشديد متطلبات الرقابة والحوكمة ورأس المال.
ويسمح النظام الجديد لهذه الشركات بتقديم مجموعة واسعة من الخدمات، تشمل:
القروض الاستهلاكية.
التمويل السكني.
تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
التأجير التمويلي (Leasing).
التمويل الرقمي.
التمويل بضمان الأوراق المالية.
إدارة الأموال لحساب الغير.
خدمات الدفع الإلكتروني والبطاقات المصرفية وتسديد الفواتير.
توحيد قطاع التمويل غير المصرفي
ينظم القراران 13820 و13821 انتقال مؤسسات التمويل الأصغر ومكاتب الائتمان إلى النظام الجديد، حيث مُنحت مؤسسات التمويل الأصغر مهلة ستة أشهر لتسوية أوضاعها، بينما مُنحت مكاتب الائتمان مهلة سنة واحدة، على أن تُلغى تراخيص الجهات التي لا تلتزم بالشروط الجديدة.
كما قسم مصرف لبنان القطاع إلى ثلاثة أنشطة رئيسية:
التمويل.
العمليات الائتمانية (Fiduciary Operations).
التمويل الأصغر.
وفرض حدًا أدنى لرأس المال يبلغ:
300 مليار ليرة لشركات التمويل.
75 مليار ليرة لمؤسسات العمليات الائتمانية.
50 مليار ليرة لمؤسسات التمويل الأصغر.
ويهدف ذلك إلى تقليص عدد المؤسسات الصغيرة غير القادرة على الاستمرار، مقابل إنشاء مؤسسات أكثر متانة وخضوعًا للرقابة.
مرحلة انتقالية بانتظار إصلاح المصارف
يرتبط توقيت هذه الإصلاحات بخطة حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، التي تقسم عملية التعافي المالي إلى مراحل تمتد حتى عام 2030.
وبحسب الخطة، فإن إعادة هيكلة المصارف والدين العام لن تبدأ قبل عامي 2027 و2028، بينما لن تستعيد المصارف دورها الكامل في منح القروض قبل الفترة الممتدة بين 2028 و2030.
لذلك، يسعى مصرف لبنان إلى خلق قنوات تمويل بديلة قادرة على تلبية جزء من احتياجات الاقتصاد خلال السنوات المقبلة.
القروض لا تزال مرتفعة الكلفة
رغم بدء بعض المصارف بمنح قروض جديدة، فإن الإقراض لا يزال محدودًا جدًا ويقتصر على العملاء ذوي الدخل المرتفع أو الضمانات القوية، فيما تتراوح فوائد القروض بالدولار بين 12 و14%.
ويرى مسؤولون مصرفيون أن السبب الرئيسي يعود إلى استمرار تجميد الودائع القديمة ("اللولار")، وعدم إقرار خطة شاملة لمعالجة خسائر القطاع وإعادة هيكلته، إضافة إلى الغموض القانوني بشأن آلية سداد القروض بالعملة نفسها التي مُنحت بها.
دور متزايد لشركات التمويل
شهدت السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في دور شركات التمويل ومؤسسات التمويل الأصغر، إلى جانب انتشار المحافظ الإلكترونية وخدمات الدفع الرقمي، في ظل تراجع الدور التقليدي للمصارف.
إلا أن هذه الشركات تختلف عن المصارف لأنها لا تستقبل الودائع، وتعتمد في تمويل نشاطها على رؤوس أموالها الخاصة أو على المستثمرين أو على الاقتراض من مؤسسات مالية أخرى، ما يحد من قدرتها على التوسع ويجعل كلفة التمويل مرتفعة نسبيًا.
إصلاح ضروري... لكنه غير كافٍ
يرى التقرير أن خطوة مصرف لبنان تمثل إصلاحًا تنظيميًا مهمًا لسوق الائتمان، لكنها لا تعني عودة التمويل المصرفي إلى طبيعته.
فاستعادة النشاط الائتماني تتطلب معالجة أعمق تشمل:
إعادة هيكلة القطاع المصرفي.
إعادة رسملة المصارف.
معالجة فجوة الخسائر المالية.
استعادة ثقة المودعين والمستثمرين.
وإلى حين إنجاز هذه الإصلاحات، ستبقى شركات التمويل تؤدي دورًا مؤقتًا في سد جزء من احتياجات السوق، دون أن تتمكن من تعويض الدور الكامل الذي كانت تؤديه المصارف قبل الأزمة.