منبر حزب الله الإعلامي يوثّق تحوّل المزاج اللبناني نحو التفاوض

للمرة الأولى منذ سنوات، لا تأتي الإشارة إلى تبدّل المزاج اللبناني من خصوم "المقاومة" أو من وسائل إعلام تُتّهم تقليديًا بمعاداتها، بل من داخل المنبر الإعلامي الأكثر التصاقًا بها.

ففي مفارقة سياسية لافتة، نشرت صحيفة "الأخبار" نتائج دراسة أعدّها مدير معهد الدراسات والتدريب الإعلامي في الجامعة اللبنانية الأميركية، الدكتور جاد ملكي، تُظهر أن 54% من اللبنانيين يؤيدون الدبلوماسية والتفاوض كوسيلة لتحرير الأراضي اللبنانية، مقابل 35% فقط ما زالوا يرون في المقاومة المسلحة الخيار الأفضل. هذه الأرقام لا تعبّر عن فارق إحصائي عابر، بل عن تحوّل عميق في نظرة اللبنانيين إلى كيفية إدارة الصراع مع إسرائيل.

على مدى عقود، ساد خطاب يقول إن "المقاومة" تعبّر عن الإرادة الوطنية الجامعة، وإن اللبنانيين يلتفون حول خيار السلاح بوصفه الطريق الوحيد لمواجهة إسرائيل. إلا أن الأرقام التي نشرتها الصحيفة نفسها ترسم صورة مختلفة تمامًا: أكثرية واضحة تفضّل المسار الدبلوماسي على الخيار العسكري، فيما بات مؤيدو المقاومة المسلحة أقلية مقارنة بالمؤمنين بجدوى التفاوض.

الأهم أن هذه النتيجة لا تصدر في ظرف عادي. فهي تأتي بعد سنوات طويلة من الأزمات والانهيار الاقتصادي والحروب المتكررة التي دفعت اللبنانيين إلى إعادة تقييم الكلفة الحقيقية للصراعات العسكرية. فبعدما دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة من أمنهم واقتصادهم واستقرارهم، يبدو أن المزاج العام بات أكثر ميلاً إلى منطق الدولة والمؤسسات والعلاقات الدولية، وأقل اقتناعًا بأن السلاح وحده قادر على تحقيق الأهداف الوطنية.

وإذا كانت "الأخبار" قد نشرت هذه النتائج بهدف قراءة الرأي العام، فإنها تكون، من حيث تدري أو لا تدري، قد وثّقت حقيقة سياسية يصعب تجاهلها: غالبية اللبنانيين لم تعد تتبنّى الخيار الذي رفعته قوى "المقاومة" لعقود باعتباره الخيار الشعبي الجامع.

ليست المسألة هنا موقفًا من إسرائيل أو تغييرًا في النظرة إليها، بل موقف من الوسيلة. فحين يقول 54% من اللبنانيين إن الدبلوماسية هي الطريق الأفضل، مقابل 35% فقط يفضّلون المقاومة المسلحة، فإن الرسالة السياسية تصبح واضحة: اللبنانيون يريدون استعادة دور الدولة في إدارة الصراع، ويريدون حلولًا سياسية تجنّبهم أثمان الحروب المتكررة.

المفارقة الأكبر أن هذا الاستنتاج لا يأتي من خصوم "المقاومة"، بل من الدراسة التي نشرتها الصحيفة الأقرب إليها. ولذلك تكتسب هذه الأرقام قيمة استثنائية، لأنها تشكّل اعترافًا غير مباشر بأن المزاج اللبناني يتجه نحو الدولة والدبلوماسية، لا نحو الحروب المفتوحة ومنطق السلاح.