منع المقاتلين من العودة لقراهم.. "الاتفاق الإطاري" يضيق الخناق على "حزب الله"

كشفت مصادر سياسية لبنانية أن إسرائيل تتمسك، في إطار المفاوضات الجارية حول "الاتفاق الإطاري"، بشرط تعتبره أساسيًا لبدء تنفيذ المرحلة الميدانية، يقضي بعدم السماح لعناصر ميليشيا حزب الله بالعودة إلى بلداتهم وقراهم في المناطق التي سينتشر فيها الجيش اللبناني، حتى وإن كانوا من أبناء تلك القرى، في خطوة تصفها المصادر بأنها أخطر حلقات التضييق التي يواجهها الحزب منذ انتهاء الحرب الأخيرة.

آليات تنفيذية

وأكدت المصادر المطلعة على طبيعة المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، لـ"إرم نيوز"، أن هذا البند سيكون حاضرًا خلال الجولة السادسة من المفاوضات المرتقبة في السفارة الأميركية في روما، بالتزامن مع وصول وفد عسكري أميركي إلى بيروت لاستكمال البحث في آليات التنفيذ، بعدما انتقلت المفاوضات من مناقشة المبادئ السياسية إلى وضع الخرائط والخطوات التنفيذية للاتفاق الإطاري.

وترى المصادر أن الهدف لم يعد يقتصر على إبعاد سلاح حزب الله عن الحدود، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك البنية الميدانية التي اعتمد عليها الحزب طوال عقود في جنوب لبنان، ومنع إعادة إنتاجها مستقبًلا، بما يؤدي عمليًا إلى فصل الساحة اللبنانية عن الحسابات العسكرية الإيرانية.

الطرح الأخطر على الحزب

في هذا السياق، يقول الباحث السياسي مازن بلال، إن أخطر ما في هذا الطرح أنه يستهدف البيئة العملياتية للحزب أكثر مما يستهدف سلاحه. 

ويوضح في تعليق لـ "إرم نيوز" أن حزب الله يعتمد على شبكة من المقاتلين المحليين الذين يعرفون الأرض والطرقات والتضاريس والمنازل ومسالك الحركة، وهو ما منحه طوال السنوات الماضية أفضلية واضحة في إدارة المواجهات داخل القرى الجنوبية.

ويرى بلال أن منع هؤلاء من العودة يقلص قدرة الحزب على إعادة الانتشار، حتى لو احتفظ بجزء من قدراته العسكرية في مناطق أخرى.

ومنذ نشأته، اعتمد حزب الله بصورة كبيرة على أبناء القرى الحدودية في تشكيل وحداته القتالية، إذ كان كثير من المقاتلين يخوضون المعارك داخل بلداتهم التي يعرفون تفاصيلها الجغرافية بدقة، بينما وفرت البيئة المحلية شبكات الرصد والإنذار والإسناد اللوجستي.

ورغم التراجع الكبير في أعداد مقاتليه خلال الحرب الأخيرة، وما رافقها من خسائر بشرية وتنظيمية، فإن الحزب لا يزال يحتفظ بآلاف العناصر، إلا أن خسارة شبكة الانتشار المحلية قد تشكل ضربة أكثر عمقًا من خسارة ترسانته، لأنها تعيق قدرته على إعادة بناء وجوده العسكري جنوب الليطاني.

خطوة مقابل خطوة

وبحسب المصادر، فإن إسرائيل لا تزال ترفض الانسحاب من مناطق "الخط الأصفر" قبل الحصول على ضمانات أمنية كاملة، وتتمسك بمعادلة "خطوة مقابل خطوة"، بحيث يقابل كل انسحاب إسرائيلي انتشار كامل للجيش اللبناني وسيطرته على المنطقة المعنية، مع منع أي عودة للعناصر العسكرية التابعة لحزب الله إلى تلك القرى.

وفي المقابل، يحاول الجانب اللبناني إدخال تعديلات على آلية التنفيذ، عبر اعتماد مناطق تجريبية تقع جنوب نهر الليطاني بدلًا من شماله، لتقليل احتمالات الاحتكاك المباشر بين الجيش اللبناني وحزب الله في المرحلة الأولى، وإعطاء الاتفاق فرصة للنجاح بعيدًا عن أي مواجهة داخلية.

وتشير المصادر إلى أن اجتماع روما لن يبحث في تعديل الاتفاق أو إعادة التفاوض حوله، بل سيركز على التفاصيل التنفيذية، وفي مقدمتها تحديد المناطق التجريبية، وآليات انتشار الجيش اللبناني، وتشكيل لجان تقنية لمتابعة التنفيذ، بإشراف مباشر من الولايات المتحدة التي تقود هذا المسار بالتنسيق مع الجانبين اللبناني والإسرائيلي.

وتقوم الرؤية الأميركية، وفق المصادر، على انسحاب إسرائيلي تدريجي ومتزامن مع استكمال بسط سلطة الدولة اللبنانية على الجنوب، وحصر القرارين الأمني والعسكري بالمؤسسات الرسمية، بما ينهي عمليًا الواقع الذي فرضه حزب الله خارج إطار الدولة، ويمنع إعادة ربط الجبهة اللبنانية بالمواجهة الإقليمية التي تقودها إيران. 
هامش المناورة.. يضيق

في المقابل، يبدو هامش المناورة أمام حزب الله أكثر ضيقًا من أي وقت مضى. فالحزب الذي كان يعتبر الجنوب خزان قوته العسكرية والبشرية يجد نفسه أمام مسار تنفيذي لا يستهدف الصواريخ أو المخازن فقط، بل يطال آلية انتشاره التقليدية والبيئة التي مكّنته لعقود من إعادة ترميم قدراته بعد كل مواجهة.

وتختتم المصادر السياسية بالإشارة إلى أن لبنان يقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانخراط في تنفيذ الاتفاق الإطاري وما يتطلبه من ترتيبات أمنية وسيادية معقدة، بما يفتح الباب أمام انسحاب إسرائيلي تدريجي، وإما تعثر المسار والعودة إلى التصعيد العسكري، وسط تحذيرات إسرائيلية من أن أي انهيار للمفاوضات قد يدفع إلى فرض وقائع جديدة بالقوة، في وقت لم يعد فيه النقاش يدور حول سحب سلاح حزب الله فحسب، بل حول منع الحزب من استعادة بنيته العسكرية في الجنوب مستقبلًا.