المصدر: Kataeb.org
الكاتب: جولي مجدلاني
السبت 16 أيار 2026 09:36:33
شهدت مناطق نفوذ حزب الله خلال الأشهر الأخيرة حالة متنامية من الغضب والنقمة على خلفية التداعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحرب الأخيرة وما خلّفته من دمار واسع وخسائر بشرية ومادية أثقلت كاهل المواطنين خصوصًا في المناطق التي تُعدّ الحاضنة الشعبية الأساسية للحزب. فحجم الخسائر اليومية وتراجع القدرة على تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة دفعا الكثيرين إلى طرح تساؤلات جدّية حول جدوى الانخراط في مواجهة مفتوحة يدفع ثمنها اللبنانيون عمومًا والشيعية خصوصًا.
وتجلّت هذه النقمة في الأحاديث اليومية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وحتى في بعض المجالس الشعبية التي بدأت تشهد انتقادات غير مسبوقة لقرار الحرب وللأثمان التي ترتبت عليها بعد أن باتت المناطق الجنوبية والضاحية الجنوبية والبقاع "ميني غزة"، والتي عانت أصلًا من أزمات اقتصادية خانقة فوجدت نفسها أمام موجة نزوح جديدة ودمار للبنى التحتية، وخسارة في الأعمال والمصالح التجارية ما زاد من شعور الإحباط لدى الأهالي.
كما برزت انتقادات تتعلق بربط مصير لبنان بالتطورات الإقليمية، وبالدور الذي تلعبه إيران عبر حلفائها في المنطقة لاسيما بعد أن تُرك لبنان يواجه إسرائيل وحيدًا دون أي مساندة. ويرى بعض المنتقدين أنّ لبنان بات ساحة رسائل وصراعات تتجاوز قدرته على التحمل، فيما يتحمّل المواطن العادي كلفة المواجهات سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
في المقابل، يحاول الحزب احتواء هذه الحالة عبر التشديد على أنّ ما يجري هو "معركة دفاعية" تهدف إلى حماية لبنان وردع إسرائيل، إضافة إلى تقديم مساعدات اجتماعية وتعويضات للمتضررين. إلا أنّ الأزمة الاقتصادية العميقة، وتراجع الموارد، جعلا قدرة الحزب على امتصاص الغضب أقلّ فاعلية مقارنة بمراحل سابقة. فبات يواجه المعارضون تهمة "التخوين والعمالة" الجاهزة لكي تُرمى أين ما كان وكيف ما كان أمام كل تعبير عن الرأي.
وفي قراءة لهذا الواقع، يشير الاكاديمي والمحلل السياسي د. علي مراد في حديث عبر Kataeb.org الى أنه لم يعد ممكنًا التعامل مع ما يجري بوصفه مجرد تململ عابر أو أصوات معزولة، إذ هناك شريحة بدأت تتسع، لا بمعنى أنها تحولت بالضرورة كلها إلى معارضة سياسية منظمة بل أنها انتقلت من الصمت إلى السؤال، ومن القبول بالرواية الواحدة إلى محاسبة الكلفة، مضيفًا:" في الجنوب اليوم وجع حقيقي: بيوت مدمرة، قرى منكوبة، نزوح طويل، عودة غير مضمونة، وسؤال حول أسباب ما جرى وكيفية الخروج منه، وخوف من أن يتحوّل الناس إلى مجرّد مادة في خطاب الانتصار. وحين يدفع المجتمع هذا الحجم من الأثمان، يصبح من الطبيعي أن يسأل: من قرر؟ لماذا قرر؟ ما الهدف؟ وما النتيجة؟".
ويشرح أن السبب الأساسي الذي دفع الناس إلى القول علنًا ما كانوا يقولونه سرًا هو أن الألم صار أكبر من الخوف. فحين يخسر الإنسان بيته أو مصدر رزقه أو يشعر بأن مستقبل عائلته صار معلقًا، لا يعود ممكنًا إقناعه بأن السؤال خيانة أو أن الاعتراض ضعف. كما أن الفارق بين الخطاب والواقع صار واضحًا. الخطاب يتحدث عن الصمود والانتصار، لكن الواقع يقول إن هناك قرى مدمرة، وناسا لا تعرف متى تعود، واقتصادًا محليًا منهكًا، ومستقبلاً مفتوحًا على احتمالات صعبة. الناس لا تحاسب على النوايا، بل على النتائج.
ويتابع:" حاجز الخوف بدأ يتراجع. لسنوات طويلة كان كثيرون يقولون في السر ما لا يجرؤون على قوله في العلن. اليوم، بفعل حجم الكارثة، وبفعل وسائل التواصل، وبفعل شعور الناس بأنهم تركوا وحدهم أمام الكلفة، بدأ هذا الجدار النفسي يتصدع. لم يعد ممكنا ضبط كل الوجع بالشعارات، ولا إقفال النقاش بتهمة التخوين. في المقابل، تبدو حملات التخوين التي ينظمها مناصرو حزب الله، خصوصًا على وسائل التواصل، مؤشرًا خطيرًا إلى حجم القلق من هذه الأصوات. فحين يصبح السؤال عن البيت والقرية والعودة والمستقبل موضع اتهام، فهذا يعني أن هناك محاولة لتحويل الألم الاجتماعي إلى جريمة سياسية. من يسأل عن بيته ليس خائنا. من يسأل عن مستقبل أولاده ليس عميلا. ومن يرفض أن يدفع الجنوب وحده ثمن خيارات كبرى فهو يمارس حقه الطبيعي في الدفاع عن هذه المناطق وعن حقها في الحياة والأمان والعودة".
ويلفت مراد الى أن حزب الله سيكون أمام اختبار صعب في التعامل مع هؤلاء "المعارضين الجدد" إذا جاز التعبير. إذا تعامل معهم بمنطق التخوين أو القمع أو الضغط الاجتماعي، فهو سيعمق الأزمة بدل أن يحتويها. وهؤلاء ليسوا كلهم خصوما سياسيين تقليديين. كثير منهم ناس موجوعون، خسروا الكثير، ويريدون أجوبة لا شعارات. قمع هؤلاء لا يعيد الثقة، بل يكسر ما تبقى منها. قد يحاول الحزب استخدام أدواته المعهودة: التعبئة العاطفية، الوعود بالإعمار والتعويض، والضغط الإعلامي أو الاجتماعي. لكن هذه الأدوات لم تعد كافية كما كانت سابقا، لأن حجم الكلفة أكبر من قدرة الخطاب على ابتلاعه.
ويضيف:" هنا تقع مسؤولية كبيرة على الدولة فالمطلوب أن تحتضنهم كمواطنين، لا كخصوم للحزب. وأن تبدأ من الملفات الملموسة: العودة، الإعمار، التعويضات، المدارس، الطبابة، البنى التحتية، الأمن المحلي، وحماية الأملاك وإذا لم تدخل الدولة إلى الجنوب كدولة خدمات وعدالة وحماية، فلن تستطيع أن تدخل كدولة سيادة."
وعليه وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية، تبقى هذه النقمة مرشحة للتصاعد خصوصًا إذا طال أمد الحرب أو توسعت رقعتها، ما قد يضع حزب الله أمام تحديات داخلية غير مسبوقة داخل بيئته التقليدية التي باتت على شفير الانفجار.