من الثقافة إلى الديموغرافيا... حروب الحزب الخفية

الحرب العسكرية الشرسة ونتائجها المدمّرة ما هي إلا قمة جبل الجليد للحروب المتعددة الأوجه التي خاضها "حزب الله" في لبنان منذ الثمانينات. حروب بقيت في الظل، غضّت السلطة، كما الأطراف اللبنانية الأخرى، الطرف عنها، غير مدركة لمداها وأبعادها. حروب أمنية، إعلامية، ثقافية، اجتماعية، اقتصادية، طائفية وديموغرافية خاضها "الحزب" إلى جانب حروبه العسكرية والسياسية، ودفع لبنان ثمنها غاليًا كما يدفع اليوم ثمن الحرب العسكرية.

يصعب حصر الحروب الداخلية التي خاضها "حزب الله" ضد الكيان اللبناني وتكوينه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فالمعارك لم تكن معلنة، إنما كانت تجري في الخفاء تحت وهج السلاح، متسترة بشعار المقاومة ومطمئنة إلى احتضان بيئتها لها وإلى قصر نظر الأطراف الأخرى. الاستئثار بقرار الحرب الذي دمّر لبنان وأدخله الجحيم مهّدت له حروب داخلية خبيثة، كان فيها "حزب الله" في مواجهة مع كل مفاصل الحياة العامة في لبنان.

على المستوى السياسي، كانت حروب "الحزب" توازي بشراستها حروبه العسكرية، وقد حاول نقل ما اعتبره انتصارًا عسكريًا في العام 2000 إلى استثمار داخلي، ولكن كان عليه أن يخوض حروبًا مستمرة لفرض واقع سياسي جديد وتكريس موازين قوى تمكّنه من فرض توجهاته داخل النظام اللبناني. المعارك التي خاضها كثيرة، من اعتصام وسط بيروت بين العامين 2006 و2008، إلى أحداث السابع من أيار، إلى انسحاب الوزير الملك وقبله وزراء التحالف الشيعي من حكومة الحريري في العام 2011، إلى الأزمات الحكومية المتكررة، إلى تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية وترك البلاد في فراغ مقصود أكثر من مرة، إلى قمع ثورة 17 تشرين وغيرها من المحطات التي عمل فيها "الحزب" على استخدام قوته السياسية لفرض شروطه على الحياة العامة.

أمنيًا، شكّل العامل الأمني أقوى أسلحته في حربه المكشوفة لإحكام سيطرته على مفاصل الدولة وإلغاء كل معارضة له. ويشير منتقدوه إلى دوره في سلسلة من الحوادث الأمنية التي شهدها لبنان، وإن كان "الحزب" ينفيها دومًا ويعتبرها جزءًا من حملة سياسية تستهدفه. من اغتيال رفيق الحريري وما تلاه من سلسلة اغتيالات لرجال ثورة الأرز، إلى السابع من أيار، ومن ثم اشتباكات الطيونة واغتيال لقمان سليم وإلياس الحصروني في الداخل، إلى عمليات أمنية في الخارج مثل تفجير حافلة سياح إسرائيليين في بورغاس عام 2012، كانت الحرب الأمنية دومًا تُربط بـ"حزب الله" ورغبته في فرض جو من الترهيب على الدولة والمعارضة وتثبيت دوره كلاعب أساسي حتى خارج الحدود.

 

وحدها ثقافة المقاومة

ثقافيًا، سعى "حزب الله" إلى إنشاء مشروع ثقافي متكامل أعلن من خلاله الحرب على التوجه الثقافي الذي عرفه لبنان منذ نشأته. عبر مؤسساته التربوية والكشفية والإعلامية وحتى الدينية، عمل "الحزب" على إنتاج هوية ثقافية مرتبطة بالمفهوم الإيراني لولاية الفقيه. ومن الأمثلة على دور هذه المؤسسات المهرجان الكشفي الكبير الذي نظمه الحزب في ذكرى غياب نصرالله، والنهج التربوي الذي خرج إلى العلن والمعتمد في مدارس المهدي وغيرها من المدارس الملتزمة، ودوره في زرع مبادئ الثورة الإسلامية الخمينية منذ الصغر وترسيخ فكرة المقاومة والشهادة في نفوس الجيل الجديد.

كذلك سعى "الحزب"، على مر العقود، إلى إبعاد بيئته عن التعددية الثقافية والمفاهيم الثقافية المتجذرة في الوجدان اللبناني، وأرسى مكانها ثقافة متشددة تتمحور حول عقيدته الفكرية والطائفية وترفض كل أشكال الثقافة الأخرى. ففي الضاحية الجنوبية مثلا، لا وجود للمسارح أو لصالات السينما أو لنشاطات فنية أو ثقافية خارج إطار فكر "حزب الله" ورؤيته لدوره المقاوم. فهو ينظر إلى الأدب والفن والموسيقى بوصفها أدوات في خدمة المقاومة والصمود، لا أدوات ترفيه أو تغذية للفكر. حتى الشعر صار، وفق مشاركين في مهرجانات ثقافية أقيمت في الضاحية، وسيلة للتعبير عن هوية المجتمع وقيم الصمود والوفاء للمقاومة والشهداء. أما الموسيقى فما عادت فيروز ووديع الصافي وغيرهما، بل باتت أناشيد ولطميات وصارت جزءًا من منظومة التعبئة الثقافية. وقد برز نتيجة هذا التوجه العديد من المنشدين الذين باتوا رأس حربة في شحذ الهمم في بيئة المقاومة، كما نشأت فرق موسيقية متخصصة تعتمد الفن المرتبط بثقافة المقاومة، وتمجّد الشهادة والانتصار، وباتت سلاحًا قويًا من أسلحة "حزب الله" في حروبه الداخلية والخارجية. وتأكيدًا على هذا التوجه، أشاد علي باجوق، قائد الفرقة المركزية الموسيقية، في حديث سابق له بدور الفرقة التي رافقت المقاومة منذ نشأتها، وعملت على نشر ثقافة موسيقية مختلفة تركز على رسالة مفادها أن المقاومة تملك جميع المقومات، حتى المقومات الفنية والموسيقية. بينما في الواقع حاولت بيئة "حزب الله" في أكثر من مناسبة الاعتراض على أنماط فنية وموسيقية تتعارض مع رؤيتها الثقافية، حتى إن بعض الطلاب حاولوا منع بث أغانٍ لفيروز في الجامعة اللبنانية في الحدث والاستعاضة عنها بأناشيد المقاومة.

حتى على صعيد الموضة، خاض "حزب الله" حربًا لترسيخ نمط ملابس خاص به مستوحى من مفاهيم الثورة الخمينية في إيران، فتخلّى رجاله عن ربطات العنق وأرخوا ذقونهم من دون أن يطيلوها، مع اعتماد الخواتم الفضية الكبيرة، واعتمدت النساء الملتزمات بـ"الحزب" الشادور كلباس شرعي لهن، فيما بات الحجاب والعباءة والألبسة الفضفاضة النمط السائد لتمييز بيئة "حزب الله" عن سواها حتى من البيئات الإسلامية الأخرى. وما عادت هذه البيئة تتقبل أي اختلاف في اللباس أو التصرف أو الاحتفال، فصار الاحتفال بعيد رأس السنة مثلا غير مستحب، كما بات مجتمع الميم مضطهدًا ومحلات بيع الكحول معرضة للتكسير بين الفينة والأخرى.

 

حروب إعلامية وأخلاقية

إعلاميًا، يستمر "الحزب" في خوض الحروب الداخلية من خلال شبكة متكاملة من الإذاعات والقنوات التلفزيونية والصحف والمنصات الإلكترونية التابعة له مباشرة أو الموالية له، وهو يخوض عبرها، وعبر جيشه الإلكتروني ومجموعة من الأبواق الناطقة باسمه، معارك يومية تصل إلى حد التهديد أو التشهير أو الاغتيال المعنوي للمعارضين لسياساته. وفي الآونة الأخيرة، بدأ إعلام "الحزب" خوض حربه الأخيرة ضد رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، في محاولة لإكمال النهج السابق في تقويض أي سلطة خارجة عن تحكمه المباشر. ولسنوات طوال، كان حتى الإعلام المعارض لـ"الحزب" غير قادر على تبنّي لغة واضحة ضد طروحات "الحزب"، وكأن هالة المقاومة وتبنّي فكرة جيش وشعب ومقاومة كانا يضعان حدًا لأي اعتراض علني صريح. واليوم، ومع انكسار هذه الهالة، لجأ "الحزب" إلى خوض حرب التخوين والتشهير بدل التخويف، وبعد اتهامات "السفارات" السابقة صارت اليوم تهمة العمالة والخيانة والتطبيع والزحف كلها اتهامات يخوض بواسطتها "الحزب" حربه الإعلامية.

أخلاقيًا، استعمل "الحزب" المخدرات كسلاح في الداخل والخارج لتقوية نفوذه وزيادة مكتسباته المادية، وبات على صلة بأقوى كارتلات المخدرات في أميركا اللاتينية مع شبكة واسعة لتبييض الأموال، كما بات لبنان عبر "الحزب" مصدرًا لتصنيع وتصدير الكبتاغون إلى الدول العربية. ولم يعد خافيًا على أحد تحوّل الضاحية الجنوبية إلى بؤرة لتجارة المخدرات وتعاطيها، وتحول البقاع، قبل سقوط النظام السوري، إلى مصنع للكبتاغون وطريق أساسي للتهريب.

 

حرب الجغرافيا والديموغرافيا

من بين الحروب الكثيرة التي خاضها "حزب الله" في الداخل الحرب الديموغرافية التي سعت إلى توسيع امتداده الجغرافي والسكاني خارج نطاقه التقليدي المعهود، وتغيير الصبغة السكانية والطائفية للكثير من البلدات والقرى اللبنانية. وما شهدته الضاحية الجنوبية من تحولها من الساحل النصراني إلى ملاذ شيعي وقلعة للمقاومة يُعدّ أبرز دليل على سعي "حزب الله" هذا. أما سلاحه في هذه الحرب فهو التملك العقاري والمشاريع السكنية المنظمة. وقد برز هذا الاتجاه في الجنوب خصوصًا، والبقاع الغربي، كما في بعض مناطق جبل لبنان مثل الشوف الساحلي وإقليم الخروب وبعبدا وجبيل.

ويستند الناشطون والمعارضون لعملية التغيير الديموغرافي التي يتولاها "الحزب" إلى ازدياد عدد المجمعات السكنية التي أُنشئت في مناطق لم تكن تاريخيًا ضمن البيئة الاجتماعية والطائفية لـ"الحزب"، ويرى هؤلاء أن الأمر يتجاوز الاعتبارات العقارية والربح المادي والحق في التملك، ليصبح جزءًا من استراتيجية تهدف إلى خلق امتداد بشري وجغرافي يعزّز نفوذ الحزب السياسي والأمني ويشكّل ردعًا للمناطق المحيطة.

وفي بلد يقوم نظامه على التوازنات الطائفية الدقيقة، فإن أي تغيير ديموغرافي يتحوّل بسرعة من قضية تتجاوز التبادل العقاري إلى قضية تلامس هواجس الهوية والتاريخ والمستقبل. لكن "حزب الله" نجح في تحويل الديموغرافيا إلى ساحة صراع موازية للسلاح والإعلام والسياسة، وجعلها ركنًا من أركان حربه الداخلية.

وهكذا لم يعد الجدل في لبنان يتمحور حول سلاح "حزب الله" فقط وقدرته على الإمساك بقرار الحرب والسلم، بل حول طبيعة الدور الذي يؤديه داخل المجتمع اللبناني. فقد استطاع "الحزب"، من خلال معاركه الأمنية والسياسية والثقافية والديموغرافية، إضافة إلى المعارك الاقتصادية والاجتماعية، أن يتحول إلى لاعب يتجاوز بكثير حدود التنظيم المقاوم الذي نشأ من أجله، خاصة أنه لم يجد من يقف عائقًا أمام توسعه في خوض حروبه هذه.