المصدر: Kataeb.org
الكاتب: زخيا زغيب
الجمعة 19 حزيران 2026 13:10:33
لا يحتاج المشهد السياسي اليوم إلى كثير من التحليل لفهم ما يجري داخل خطاب حزب الله. فالمواقف التي خرج بها كل من الشيخ نعيم قاسم ومحمد رعد لا تبدو مجرد إعادة تموضع، بل إعادة صياغة كاملة لخطاب طالما قُدِّم على أنه نهائي، حاسم، وغير قابل للنقاش.
المفارقة ليست في التفاصيل، بل في الانقلاب الهادئ على عناوين كانت تُقدَّم كثوابت عقائدية، قبل أن تتحوّل فجأة إلى بنود تفاوضية قابلة للأخذ والرد.
فوقف إطلاق النار الشامل برّاً وبحراً وجوّاً لمدة شهرين، لم يكن يوماً مجرد خيار تقني في خطاب الحزب. كان يُربط دائماً بسقوط كامل للمعركة الإقليمية، وبشروط سياسية وعسكرية لا يمكن فصلها عن جبهة غزة. اليوم، يتحوّل هذا السقف إلى بند تفاوضي مستقل، قابل للنقاش، خارج شروط "النصر الكامل" الذي رُفع طويلاً كعنوان وحيد.
حتى مسألة الانسحاب الإسرائيلي، التي كانت تُطرح سابقاً كتحصيل حاصل لفعل المقاومة، تعود اليوم إلى طاولة الزمن السياسي، مع إمكانية تأجيلها لشهرين. وكأن المسافة بين التحرير الفوري والإرجاء المؤقت ليست سوى تفصيل في تقويم التفاوض، لا في جوهر العقيدة التي حُشدت حولها سنوات من الخطاب.
أما التفاوض غير المباشر، فهنا بالذات تتكثف المفارقة. ما كان يُصنَّف يوماً كمدخل خطير إلى التطبيع، أو كتنازل سياسي مرفوض، يُقدَّم اليوم كخيار واقعي وضروري. ليس هذا تطوراً لغوياً، بل اعترافاً ضمنياً بأن باب التفاوض الذي كان مقفل بإحكام، فُتح بالفعل، ولو من الباب الخلفي.
وفي المقاربة الأكثر حساسية، يعود التمييز بين "اتفاق الهدنة" و"إنهاء حالة العداء" ليطرح نفسه كصيغة سياسية قابلة للاستخدام. قبول بالأول ورفض للثاني، لكن من داخل منطق يعيد الاعتراف بالهدنة كإطار شرعي للتعامل، بعد سنوات من شيطنتها أو التحذير منها كمسار تطبيعي مقنّع.
أما في الداخل اللبناني، فالمشهد لا يقل دلالة. فبعد مرحلة طويلة من تثبيت معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” كصيغة نهائية مغلقة على النقاش، يعود اليوم خطاب “الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية” ليُفتح من جديد، وكأن السنوات السابقة لم تكن كافية لطرح هذا النقاش أو حتى لمجرد الاعتراف به.
هنا تحديداً تتجاوز القضية حدود السياسة اليومية. فإعادة إدخال ملف السلاح إلى طاولة الحوار الداخلي، حتى ولو بصيغة عامة، تعني عملياً كسر أحد أكثر المحرمات صلابة في الخطاب السياسي للحزب خلال العقدين الأخيرين.
لكن ما يجعل هذا التحول أكثر حدّة ليس أنه حصل، بل أنه يأتي بعد مرحلة طويلة من تخوين كل من دعا إليه. فالأفكار التي كانت تُقدَّم كخروج عن الإجماع الوطني، تعود اليوم لتُطرح داخل خطاب أصحابها، ولو بصياغات أكثر حذراً ومرونة.
المسألة إذاً ليست في حق أي طرف بإعادة قراءة حساباته السياسية. هذا أمر بديهي في السياسة. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في الفجوة بين خطاب الأمس وخطاب اليوم، وبين الكلفة التي دُفعت على أساس تلك الثوابت، والمرونة التي تُكتشف اليوم متأخرة، بعد أن تغيّرت الوقائع على الأرض.
في النهاية، يبدو أن الحزب يبدّل مواقفه بقدر ما يعيد تعريفها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل نحن أمام تطور طبيعي في السياسة، أم أمام اعتراف متأخر بأن كثيراً من الثوابت لم تكن سوى سقوف مؤقتة فرضتها لحظة القوة، قبل أن تفرض اللحظة الراهنة شروطها المختلفة بالكامل؟