المصدر: النهار
الكاتب: اسكندر خشاشو
الثلاثاء 24 آذار 2026 07:26:05
لم يعد الحديث عن احتمال انتقال "حزب الله" إلى الداخل اللبناني مجرّد فرضية تحليلية. التصريحات الأخيرة الصادرة عن عضو المجلس السياسي وفيق صفا وقبله القيادي محمود قماطي ترفع هذا الاحتمال إلى مستوى النقاش الجدي داخل الحزب نفسه، وتكشف عن مقاربة مختلفة لما بعد الحرب: تحويل "إنجاز الصمود" إلى رافعة تهويل لفرض تغييرات داخلية.
في كلام صفا أكثر من إشارة لا يمكن تجاهلها. من التلويح بإجبار الحكومة على التراجع عن قراراتها، إلى فتح الباب أمام استخدام الشارع "في مرحلة لاحقة"، وصولاً إلى الحديث عن "أجندة مختلفة" بعد الحرب. كلها علامات على أن الحزب لا ينظر إلى نهاية المواجهة على أنه خاتمة، بل بداية لمرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب التوازنات الداخلية.
هذا التحوّل لا يأتي من فراغ. فالحزب يدرك أن إيران، حتى لو صمدت، لن تخرج من هذه المواجهة كما كانت قبلها. قدراتها، وأولوياتها، وأسلوب إدارتها للملفات الإقليمية قد تتبدّل. وهذا يعني عملياً أن هامش الدعم المفتوح الذي اعتاده "حزب الله" قد ينكمش أو يعاد تنظيمه.
والواقع أن في الحزب نقاشاً فعلياً يتبلور، محوره المظلّة الإقليمية، هل تصبح أقل سخاء وأقل قدرة؟ وهل يكون التعويض عبر الداخل، أي عبر تثبيت مكاسب سياسية وأمنية تعوّض جزئياً أي تراجع خارجي؟
في هذا السياق، يصبح خطاب "الصمود" أداة سياسية بامتياز. فالحزب يسعى إلى تسويق نفسه منتصرا أو طرفا صمد في وجه إسرائيل، وتاليا يملك "شرعية" فرض شروطه في الداخل. وهذه المعادلة ليست جديدة في تاريخ النزاعات، لكنها اليوم تصطدم بواقع لبناني مختلف: دولة منهكة، ومجتمع مفكك، وبيئات سياسية لم تعد مستعدة لتقديم تنازلات تحت الضغط.
لا يعني هذا أن خيار الضغط الداخلي غير مطروح. على العكس، المؤشرات تدل على أن الحزب قد يعتمد استراتيجية تدريجية، يبدأها بالضغط السياسي، ويرفع سقفها إعلامياً، ثم يلوّح بالشارع كأداة أخيرة، من دون الذهاب بالضرورة إلى صدام شامل. هو أقرب إلى "عضّ الأصابع" منه إلى كسرها.
لكن هذه المقاربة تحمل في طياتها مخاطر جدية. فلبنان اليوم ليس ساحة قابلة للاحتواء كما في مراحل سابقة. أي محاولة لفرض تغييرات بالقوة أو تحت التهديد قد تفتح الباب أمام ردود فعل غير محسوبة، خصوصاً في ظل الاحتقان الشعبي الواسع والانهيار الاقتصادي العميق.
بذلك، يمكن تعديل القراءة: لم يعد السؤال هل يرتد "حزب الله" إلى الداخل؟ بل كيف ومتى وبأي سقف؟ فالنقاش داخل الحزب كما تعكسه المواقف الأخيرة، لم يعد ينفي هذا الخيار، بل يبحث في آلياته وحدوده.
بين طهران وبيروت، تتبدّل الأولويات. وإذا كانت إيران تتجه إلى مرحلة مختلفة، فإن الحزب يبدو في طور إعادة تموضع، حيث يتحوّل الداخل اللبناني من ساحة موازية إلى ساحة أساسية لحصد المكاسب. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل يحتمل لبنان هذا التحوّل، أو أن كلفته ستكون أعلى من قدرة الجميع على الاحتمال؟