المصدر: Kataeb.org
الكاتب: فرنسوا الجردي
السبت 6 حزيران 2026 10:47:14
في السياسة كما في التاريخ، لا توجد تهمة استُخدمت في لبنان بقدر ما استُخدمت تهمة "العمالة". فمنذ عقود، تحوّلت هذه التهمة إلى سلاح سياسي وأيديولوجي يُشهر في وجه كل من يطرح رؤية مختلفة لمستقبل لبنان أو يرفض ربط مصيره بالمشاريع الإقليمية. وكان آل الجميّل، والكتائب اللبنانية عموماً، من أكثر من دفع ثمن هذه الحملات التي استمرت لعقود طويلة، رغم أن الوقائع التاريخية تكشف صورة مختلفة تماماً عما روّجته أحزاب الممانعة.
اليوم، وبعد التصريحات التي أدلى بها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، والتي أكد فيها أن حالة العداء بين لبنان وإسرائيل لا يمكن أن تبقى أبدية، وأن لبنان يجب أن يتطلع إلى مستقبل من الاستقرار والسيادة بعيداً عن الحروب المفتوحة، يحق للبنانيين أن يتساءلوا: إذا كان هذا الكلام يصدر عن رئيس الجمهورية اليوم ويُستقبل باعتباره طرحاً سيادياً وواقعياً، فلماذا تحوّل الكلام نفسه، أو ما هو أقل منه بكثير، إلى تهمة خيانة عندما صدر عن بشير الجميّل وأمين الجميّل في ثمانينيات القرن الماضي؟
ازدواجية المعايير في الحكم على التاريخ
خلال الحرب اللبنانية، وجد لبنان نفسه ساحة مفتوحة لكل أشكال التدخلات الخارجية: سورية، فلسطينية، إسرائيلية، إيرانية، ودولية. في تلك المرحلة، كانت معظم القوى اللبنانية تبحث عن داعمين وحلفاء خارجيين لضمان بقائها في ظل انهيار الدولة.
لكن التاريخ لم يكن عادلاً في توزيع الأحكام.
فبينما جرى اختزال تجربة بشير الجميّل وعائلة الجميّل بعلاقتها المرحلية مع إسرائيل خلال ظروف الحرب، جرى تجاهل أو تبرير علاقات قوى أخرى مع أنظمة ودول وجيوش أجنبية مارست وصاية فعلية على لبنان لعقود طويلة.
فإذا كانت العلاقة مع إسرائيل تهمة، فكيف تُبرّر العلاقة العضوية مع النظام السوري الذي احتل لبنان لعقود؟ وإذا كانت الاتصالات السياسية خيانة، فكيف تُبرّر التبعية المعلنة للمشروع الإيراني الذي يفاخر أصحابه علناً بأن قرار الحرب والسلم في لبنان مرتبط بمحور إقليمي يمتد من طهران إلى بغداد ودمشق وصنعاء؟
بشير الجميّل: بين الواقعية السياسية والأسطورة السوداء
منذ اغتياله عام 1982، تحوّل الرئيس المنتخب بشير الجميّل إلى مادة دائمة للشيطنة السياسية.
لكن خصومه يتجنبون دائماً حقيقة أساسية: بشير لم يصل إلى الرئاسة على دبابة إسرائيلية كما يُقال، بل انتُخب في مجلس النواب اللبناني وفق الأصول الدستورية.
والأهم أن بشير، بعد انتخابه رئيساً للجمهورية، رفض أن يكون أداة إسرائيلية، وأبلغ المسؤولين الإسرائيليين بوضوح أن مصلحة لبنان فوق أي اعتبار آخر، وأن أي اتفاق يجب أن يمر عبر الدولة اللبنانية ومؤسساتها.
هذا الموقف تحديداً هو ما أدى إلى توتر علاقته مع القيادة الإسرائيلية آنذاك، وليس العكس.
أمين الجميّل واتفاق 17 أيار: الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون
أما الرئيس أمين الجميّل، فقد يكون أكثر الشخصيات التي تعرضت للظلم السياسي في التاريخ اللبناني الحديث.
فالرجل الذي اتُهم لعقود بأنه وقّع اتفاق 17 أيار مع إسرائيل، هو نفسه الذي رفض تحويل الاتفاق إلى معاهدة سلام دائمة، وهو نفسه الذي انتهى به الأمر إلى إسقاط الاتفاق عملياً تحت ضغط الظروف الداخلية والإقليمية.
والأهم أن أمين الجميّل رفض كل المشاريع التي كانت تستهدف تغيير هوية لبنان أو إدخاله في محاور إقليمية، وحاول الحفاظ على التوازن اللبناني وسط واحدة من أعقد المراحل في تاريخ البلاد.
ومع ذلك، استمرت ماكينة التخوين في عملها حتى يومنا هذا.
جوزاف عون يكشف المفارقة التاريخية
عندما يقول رئيس الجمهورية اليوم إن حالة العداء مع إسرائيل لا يمكن أن تبقى أبدية، فهو لا يتحدث بلغة الاستسلام، بل بلغة الدول التي تبحث عن الاستقرار الدائم.
وعندما ينتقد التدخلات الخارجية في لبنان، أياً كان مصدرها، فهو يعبر عن جوهر مفهوم السيادة الذي طالما نادت به المدرسة السياسية التي يمثلها حزب الكتائب وقوى سيادية أخرى.
المفارقة أن الكلام الذي يُعتبر اليوم تعبيراً عن الحكمة السياسية والواقعية، كان قبل عقود سبباً كافياً لتخوين بشير وأمين الجميّل ووصمهما بالعمالة.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: ليست في المواقف نفسها، بل في الجهة التي تصدر عنها.
الممانعة بين الخطاب والممارسة
منذ أكثر من أربعة عقود، رفعت أحزاب الممانعة شعار مقاومة إسرائيل.
لكن السؤال المشروع اليوم: ماذا كانت النتيجة؟
هل تحرر الجنوب بالكامل وانتهى النزاع؟
هل استعاد لبنان سيادته الكاملة؟
هل بُنيت دولة قوية؟
هل أصبح القرار اللبناني مستقلاً؟
أم أن لبنان تحوّل إلى ساحة صراعات إقليمية يدفع شعبه ثمنها في كل مرة تتوتر فيها العلاقات بين إيران والولايات المتحدة أو بين إيران وإسرائيل؟
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن جزءاً كبيراً من القرار العسكري والسياسي في لبنان لم يكن دائماً مرتبطاً بالمصلحة اللبنانية المباشرة، بل بحسابات إقليمية أوسع.
وهنا تحديداً يكتسب كلام الرئيس جوزاف عون أهمية استثنائية، لأنه يعيد طرح السؤال الذي حاول كثيرون الهروب منه: هل مصلحة لبنان في استمرار الحروب المفتوحة أم في بناء دولة طبيعية تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم؟
آل الجميّل: مشروع دولة لا مشروع محور
قد يختلف اللبنانيون حول سياسات الكتائب أو خياراتها في مراحل معينة من الحرب، لكن الإنصاف التاريخي يفرض الاعتراف بحقيقة أساسية:
آل الجميّل لم يطرحوا يوماً مشروع إلحاق لبنان بدولة أخرى.
لم يدعوا إلى جعل لبنان ولاية تابعة لأي عاصمة أجنبية.
لم يرفعوا شعار ربط القرار اللبناني بمصالح دولة خارجية.
بل كانت فكرتهم الجوهرية قائمة على بناء دولة لبنانية سيدة وقوية، قادرة على استيعاب جميع أبنائها ضمن صيغة العيش المشترك.
ولهذا السبب تحديداً دفعوا أثماناً باهظة، من اغتيال بشير الجميّل إلى استهداف الكتائب سياسياً وإعلامياً لعقود طويلة.
خاتمة
ربما آن الأوان لإعادة قراءة التاريخ اللبناني بعيداً عن الدعاية والشعارات.
فإذا كان الحديث عن إنهاء العداء الأبدي مع إسرائيل أصبح اليوم جزءاً من النقاش السياسي المشروع، وإذا كان رفض التدخلات الإيرانية في الشأن اللبناني بات يُقال علناً من أعلى موقع في الدولة، فإن من حق اللبنانيين إعادة النظر في الأحكام التي أُلصقت لعقود ببشير الجميّل وأمين الجميّل وحزب الكتائب.
فالتاريخ لا يُكتب بالشعارات، بل بالوقائع.
والوقائع تقول إن كثيراً ممن رُفعوا إلى مرتبة "المقاومين" مارسوا تبعية خارجية واضحة، فيما كثيرون ممن اتُهموا بالعمالة كانوا، في جوهر مشروعهم السياسي، يدافعون عن دولة لبنانية سيدة مستقلة لا شرقية ولا غربية، بل لبنانية فقط.
وهذه الحقيقة، مهما تأخر الاعتراف بها، تبقى أقوى من كل حملات التخوين.