المصدر: نداء الوطن
الكاتب: بطرس الخوري
الجمعة 17 نيسان 2026 18:35:44
لم يكن قرار إطلاق الصواريخ تحت عنوان "الانتقام" رداً على استهداف علي خامنئي حدثاً عابراً، بل لحظة فاصلة كشفت حجم التحوّل الذي أصاب "حزب الله": من قوة تفرض معادلات إلى قوة تواجه نتائج قراراتها. وبين ما قبل حرب إسناد غزة وما بعدها، يمكن قراءة مسار كامل من الصعود إلى المأزق.
قبل هذه الحرب، كان الحزب يقف على أرضية صلبة نسبياً. معادلة الردع مع إسرائيل، التي ترسّخت منذ عام 2006، منحت الجنوب هدوءاً حذراً، ورسّخت صورة الحزب كقوة قادرة على منع الحرب الشاملة. داخلياً، امتلك فائض قوة سياسية وعسكرية، مدعومًا بتحالفات ثابتة وبشبكة نفوذ تمتد داخل مؤسسات الدولة، مكّنه من التأثير في القرار الوطني، بل تعطيله عند الحاجة، أما إقليمياً، فكان جزءاً من محور تقوده إيران في مرحلة تمدّد واضحة.
لكن هذه الصورة بدأت تتصدّع مع قرار الدخول في حرب إسناد غزة، قبل أن تتكشّف بالكامل مع ما سُمّي بـ“الـ6 صواريخ" انتقامًا للسيد خامنئي واسنادًا لايران في حربها. ما جرى بعد هذه الصواريخ لا يُقاس بعددها بل بنتائجها، والنتائج هنا ليست تقديرات بل وقائع قاسية يمكن جردها بلا مواربة.
_ الخسارة النوعية التي مُني بها الحزب على مستوى قياداته، فقد أدت الحرب الى سقوط شخصيات اساسية في مقدّمها السيد نصرالله وأغلبية قيادات الصفّ الاول العسكرية وعدد كبير من القيادات المخضرمة، هذه الخسارة لا تُقاس فقط بالرمزية، بل بالخبرة والتراكم التنظيمي الذي شكّل عماد الحزب لعقود.
_ احتلال اجزاء واسعة من جنوب لبنان، أي ان "الردّ" الذي رُوجّ له كوسيلة ردع، انتهى بتوسيع السيطرة الأسرائيلية، ومنح اسرائيل ذريعة ميدانية لأعادة رسم قواعد الاشتباك، وربما الحدود الامنية أيضًا.
_ الكلفة البشرية الهائلة، اكثر من ألفي قتيل لبناني، والاف الجرحى، واكثر من مليون نازح. هذه ليست أضرار جانبية، بل نتيجة مباشرة لقرار اتُخذ خارج أيّ اطار مؤسساتي، ودون تفويض من أحد، واستعمال اسرائيل النازحيين ومنعهم من العودة كورقة ضغط بوجه الدولة والحزب معاً.
_ الكلفة الاقتصادية والدمار، من الجنوب الى البقاع الى الضاحية وبيروت، استهداف شامل ودمار هائل، والنتيجة تسريع الانهيار وتعميق الفقر في دولة منهارة اقتصاديًا اصلاً، وبالتالي التحكّم بورقة اعادة الأعمار وفرض المموليين لشروطهم.
_ في السياسة الدولية، انتقال نوعي في التعاطي مع الحزب حيث تصاعدت الدعوات لتصنيفه كقوة غير شرعية بالكامل، لا كتنظيم له جناح سياسي وأخر عسكري، هذا التحوّل يعني عمليًا نزع الغطاء الدولي الذي كان يسمح بهامش حركة سابق.
_ في العلاقة مع ايران، لم يعد النفوذ الايراني يُدار بهدوء، بل اصبح عبئًا مكشوفًا، خطوة طرد السفير الايراني_ولو لم تُنفذ_ ليست تفصيلاً دبلوماسيًا، بل اعلان نية بفك الارتباط بين لبنان وايران من جهة الدولة اللبنانية.
_ في المسار التفاوضي، الحديث لم يعد همسًا عن مفاوضات، بل اتجاهًا علنيًا نحو تسوية مع اسرائيل، بما في ذلك طرح لقاء مباشر محتمل بين رئيس الجمهورية اللبنانية ورئيس الوزراء الاسرائيلي في البيت الابيض، هذا بحد ذاته انقلاب في الخطاب السياسي التقليدي.
الاخطر من ذلك، هو ما ظهر في شروط وقف اطلاق النار التي وافق عليها الحزب، والتي تنصّ على حرية الحركة الاسرائيلية دفاعًا عن النفس، وطرح ملف سلاح الحزب على طاولة البحث، أي ان "الانتقام" فتح الباب عمليًا امام المسار الذي كان "حزب الله" يرفضه: نزع سلاحه تحت ضغط دولي واقليمي.
اما في الداخل، فقد برزت سلسلة قرارات حكومية تعكس بداية تحول في المقاربة الرسمية، ابرزها:
_ التاكيد على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية.
_ تكليف الجيش بأمن العاصمة وتعزيز انتشاره.
_ اطلاق مسار لمعالجة سلاح الحزب ضمن اطار وطني ودولي.
_ تشديد الرقابة على الحدود والمعابر.
_ اعادة النظر في العلاقة مع ايران.
_ اتخاذ قرار صريح بحظر فوري وشامل لكافة الانشطة العسكرية والامنية لـ"حزب الله".
قد لا تكون هذه القرارات قد طُبقت بالكامل، لكنها تعكس تحولا واضحًا: الدولة لم تعد قادرة على تغطية السلاح الخارج عنها وهي بهذه القرارات تضع الحدود الفاصلة بينها وبين "حزب الله".
هكذا تختصر "جردة النتائج" مسار التحوّل: ستة صواريخ، حرب اسناد، خسارة قيادات تاريخية، تراجع الردع، ضغط داخلي ودولي، وقرارات حكومية تقوّض معادلة السلاح.
لم يعد الحزب في موقع فرض الشروط، بل في موقع الدفاع عن دوره.
في الخلاصة، ما قبل حرب إسناد غزة ليس كما بعدها. لبنان أمام لحظة مفصلية: إما استعادة القرار السيادي عبر الدولة، أو الاستمرار في دفع أثمان صراعات أكبر منه. أما "حزب الله"، فيواجه اليوم أخطر اختبار منذ نشأته: ليس فقط في قدرته العسكرية، بل في مبرر وجوده نفسه.
واذا كان الحزب سيسوق ما جرى على انه "انتصار"، فأن الوقائع على الارض تقول شيئًا مختلفًا: انه نصرٌ بطعم الخسارة، حيث تتراكم الأكلاف أكثر بكثير من أي مكسب مُعلن.