من غوبلز إلى الصحّاف إلى إعلام "المقاومة": عندما تتحوّل الدعاية الى سلاح حرب

في الحروب، لا تُقاس الانتصارات فقط بعدد الكيلومترات التي تتقدمها الجيوش أو بحجم الخسائر التي تُلحقها بالخصم، بل بقدرة كل طرف على فرض روايته. فالمعركة على الوعي لا تقلّ أهمية عن المعركة على الأرض، بل قد تسبقها وتحدّد نتائجها. من جوزيف غوبلز في ألمانيا النازية، إلى محمد سعيد الصحاف في بغداد عام 2003، وصولاً إلى المنظومات الإعلامية المرتبطة بـ حزب الله وإيران اليوم، يبدو أن التاريخ لا يعيد نفسه فقط، بل يعيد إنتاج أدواته بأساليب أكثر تطوراً.

لم يكن غوبلز مجرد وزير إعلام، بل كان مهندساً لإعادة تشكيل الوعي الجماعي. أدرك مبكراً أن السيطرة على الحقيقة لا تكون بإخفائها فقط، بل بإعادة تعريفها. تحت قيادة أدولف هتلر، تحوّلت الدعاية إلى نظام متكامل يختزل العالم في ثنائية حادّة: "نحن" مقابل "العدو". لم يكن الهدف إقناع الناس بقدر ما كان خلق حالة نفسية جماعية تجعل من أي رواية رسمية أمراً بديهياً. ومع تكرار الرسائل وتبسيطها وإقصاء أي صوت معارض، لم تعد الكذبة بحاجة إلى دليل، بل إلى استمرارية، " اكذب ثم اكذب، حتى تصبح الكذبة حقيقة".

بعد عقود، وفي سياق مختلف تماماً، ظهر محمد سعيد الصحاف كنسخة متأخرة من هذا النموذج، ولكن بملامح أكثر فجاجة. خلال حرب العراق 2003، كان العالم يشاهد الدبابات الأميركية تدخل بغداد، فيما كان الصحّاف ينفي وجودها بشكل قاطع. بدا المشهد وكأنه مفارقة ساخرة، لكنه في جوهره كان تعبيراً عن وظيفة الدعاية في لحظات الانهيار: الحفاظ على تماسك الرواية حتى عندما تتفكك الوقائع. لم يكن الهدف إقناع الخارج، بل تأجيل الاعتراف الداخلي بالهزيمة، لأن سقوط السردية غالباً ما يسبق سقوط النظام.

اليوم، تغيّرت الأدوات، لكن المنطق بقي نفسه. الإعلام المرتبط بـ حزب الله وإيران لا يعمل في بيئة مغلقة كما كان الحال في زمن غوبلز أو حتى في عراق الصحّاف، بل في فضاء مفتوح تتدفق فيه المعلومات من كل اتجاه، منظومات اعلامية متكاملة، تشمل قنوات تلفزيونية، مواقع ومنصات الكترونية، وجيوشاً رقمية على وسائل التواصل. هذا التحوّل فرض تعديلاً في أساليب الدعاية: لم يعد ممكناً إخفاء الحقيقة بالكامل، بل أصبح الهدف إعادة صياغتها أو إغراقها وسط سيل من الروايات المتناقضة.

في هذا السياق، لا تُعرض الخسائر بوصفها هزائم، بل يتم تصويرها على انها "صمود تاريخي" وتُعاد تسميتها "تضحيات" أو "إنجازات تكتيكية"، وتتحول التراجعات إلى “إعادة تموضع”. اللغة هنا ليست وسيلة وصف، بل أداة إعادة إنتاج للواقع. كما يُصار إلى بناء سردية متماسكة تجعل من أي مواجهة جزءاً من معركة وجودية كبرى، حيث يُقدَّم الطرف نفسه بوصفه تجسيداً للحق، فيما يُختزل الخصم في صورة الشر المطلق. هذه الثنائية، التي أتقنها غوبلز، لا تزال تُستخدم لأنها تلغي التعقيد وتمنح الجمهور شعوراً باليقين في عالم مضطرب.

غير أن الفارق الجوهري بين الأمس واليوم يكمن في طبيعة الجمهور. في الأنظمة المغلقة، كانت الدعاية تفرض نفسها عبر الاحتكار، أما اليوم فهي تنافس روايات أخرى في فضاء مفتوح. لذلك لم تعد تقوم على فرض رواية واحدة بقدر ما تعتمد على خلق فوضى معلوماتية تجعل من الصعب التمييز بين الحقيقة والزيف. إنها لم تعد دعاية “الإقناع”، بل دعاية “الإرباك”، حيث يغدو الشك أداة بحد ذاته.

هذا التطور لا يعني أن الدعاية أصبحت أقل تأثيراً، بل ربما أكثر خطورة. فحين تتعدد الروايات وتتناقض، لا يبحث الجمهور بالضرورة عن الحقيقة، بل عن الرواية التي تتماشى مع قناعاته المسبقة. وهنا تحديداً تكمن قوة الدعاية الحديثة: إنها لا تفرض ما يجب أن يفكر به الناس، بل تساعدهم على تصديق ما يريدون تصديقه.

إن الربط بين جوزيف غوبلز ومحمد سعيد الصحاف والإعلام المعاصر ليس مجرد مقارنة تاريخية، بل قراءة في استمرارية ظاهرة سياسية تتجاوز الأنظمة والأيديولوجيات. فالدعاية ليست حكراً على نظام بعينه، بل هي أداة تلجأ إليها كل سلطة حين تشعر أن السيطرة على الواقع لم تعد كافية، فتسعى إلى السيطرة على تفسيره، وعندما تصبح الكذبة جزءاً من الوعي المجتمعي، تتحول الى قوة سياسية بحد ذاتها.

في النهاية، قد تختلف الوسائل من إذاعة برلين إلى مؤتمرات بغداد إلى منصات التواصل اليوم، لكن الهدف واحد: امتلاك الرواية. وإذا كان غوبلز قد راهن على تكرار الكذبة حتى تتحول إلى حقيقة، فإن عصرنا يضيف بعداً جديداً: لم تعد الكذبة بحاجة إلى أن تُصدَّق بالكامل، يكفي أن تزرع الشك في الحقيقة حتى تفقد الأخيرة قدرتها على التأثير، والكذبة اليوم لا تحتاج فقط الى تكرار... بل الى جمهور جاهز لتصديقها.