المصدر: المدن
الكاتب: فرح منصور
الاثنين 25 أيار 2026 15:58:39
تتجه الأنظار غدًا الثلاثاء نحو قاعة المحكمة العسكرية الدائمة في بيروت، حيث تعقد جلسة بالغة الأهمية في مسار المراجعة القضائية للملف الجنائي للفنان فضل شاكر.
الاستماع إلى الأمنيين
القضية التي طالما تداخلت فيها خيوط الأمن والسياسة مع الفن، تشهد اليوم انعطافة جذرية بعد الخطوة المفصلية المتمثلة في تسليم شاكر نفسه طوعاً إلى مديرية المخابرات في الجيش اللبناني لتبدأ محاكمته الوجاهية والعلنية، مفسحًا المجال أمام تفكيك الأحكام الغيابية السابقة، وإعادة تشريح وقائع معركة عبرا 2013 من الداخل.
وفقًا لما كشفه مصدر قضائي لـ"المدن" فإن جلسة الغد تتجاوز الإجراءات الروتينية لتركز على استدعاء وتثبيت شهادات "الصندوق الأسود" لأحداث عبرا، والمتمثل في 3 من كبار القادة العسكريين والأمنيين الذين أداروا الميدان وقنوات الاتصال خلال تلك الحقبة.
يؤكد المصدر أن المحاكمة الحضورية فرضت واقعًا قانونيًا جديدًا استدعى العودة إلى الأسس الأمنية الأولى للملف. إذ تكتسب شهادات هؤلاء العمداء وزنًا استثنائيًا لكونها تصدر عن مسؤولين كانوا في هرم السلطة العسكرية اللصيقة بالحدث، ويمتلكون القدرة على رسم الحد الفاصل بين "التحريض والمشاركة الجرمية" من جهة و"محاولات التهدئة والانكفاء" من جهة أخرى.
تبرز في طليعة الشهادات المفتاحية إفادة رئيس فرع الجنوب في مخابرات الجيش اللبناني حينها العميد المتقاعد علي شحرور. يمثل الأخير في ذاكرة تلك المرحلة شريان الاتصال الأساسي والمباشر مع الفعاليات الصيداوية و"الحالة الأسيرية" داخل المربع الأمني.
الصندوق الأسود
بحسب المعطيات القضائية فإن شهادة شحرور ستكون حاسمة في إظهار حقيقة الموقف الميداني لشاكر قبيل الانفجار العسكري. إذ يراهن فريق الدفاع على أن يؤكد شحرور وجود رغبة حقيقية ومعلنة من شاكر بالانفصال التام عن الشيخ أحمد الأسير والسعي إلى تسليم سلاحه والانسحاب من المشهد قبل أيام من اندلاع المواجهة الكبرى. وهو ما قد يغير التوصيف الجرمي للملف برمته.
بالتوازي، يترقب القضاء شهادة رئيس مكتب مخابرات الجيش في تلك الفترة، العميد المتقاعد ممدوح صعب، الذي وبحكم إمساكه بالنبض اليومي للمنطقة وبتفاصيل المربع الأمني في عبرا، يملك الإجابات اللوجيستية والتحريات الفورية حول طبيعة التحركات الميدانية. وستسهم شهادته في توضيح ما إذا كان شاكر قد شارك فعليًا في الأعمال الحربية واللوجيستية والميدانية في عبرا، أم أن حضوره كان منحصرًا في البعد الدعائي والسياسي للحالة قبل أن يتخذ قرار التواري عن الأنظار.
أما البعد الاستراتيجي للمحاكمة، فترسمه شهادة العميد الركن المتقاعد محمد الحسيني، الذي شغل منصب مدير مكتب قائد الجيش آنذاك، العماد جان قهوجي. تنقل شهادة الحسيني النقاش من زواريب عبرا إلى أروقة القرار المركزي في اليرزة، لتكشف طبيعة التقارير والمراسلات الخفية ومسار الوساطات السياسية التي بذلت لتجنيب المدينة الصدام المسلح، وحدود الدور الذي لعبه شاكر كقناة تواصل خلفية في تلك المفاوضات المعقدة قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة.
تؤكد مصادر "المدن" أن خيار شاكر بالخروج من أزقة مخيم عين الحلوة وتسليم نفسه استند إلى قناعة قانونية بأن المحاكمة الحضورية بعد سقوط نظام بشار الاسد في سوريا، المدعومة بشهادات قادة الميدان، هي السبيل الوحيد لاثبات "انتفاء النية الجرمية" في مقاتلة الجيش اللبناني أو التورط في سفك دماء عسكريين.
غدًا، لن تبحث الجلسة في المحكمة العسكرية في أوراقٍ غير مفيدة، بل ستعاد قراءة الوقائع بحضور المتهم وبشهادة من كانوا أسياد القرار الأمني، في محاولة صعبة لإنهاء واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل. وذلك ضمن توازن دقيق بين هيبة المؤسسة العسكرية وصيانة العدالة الجنائية.