المصدر: نداء الوطن
الكاتب: طوني عطية
السبت 10 كانون الثاني 2026 07:34:58
لا تُعدّ مسألة استيلاء "حزب الله" على أراضي المسيحيين وسواهم مجرد طمع مالي أو استثمار عقاري محض، بل هي في حقيقتها وعمقها، جزء من مشروعه العقائدي السياسي المتكامل. وإذا كانت قضية مشاعات العاقورة وأراضي لاسا واجهة النزاع الأكثر ظهورًا، فإن ما يجري بعيدًا من الأضواء، خصوصًا في ساحل الشوف، يكشف عن تحرّك منظم يعتمد السرية والتقية لفرض وقائع ديموغرافية بطرقٍ ملتوية ومشبوهة. وإذا كان لدى "الحزب" وحدات سرية لتنفيذ الاغتيالات بحق السياديين والمعارضين، فأنشأ في المقابل، جمعيات وهمية، ظاهرها اجتماعي، توعوي، بيئي... أما باطنها فهو أداة لاختراق النسيج اللبناني وضرب التنوع من خلال السيطرة العقارية المقنعة.
واللافت هو أن "المقاومة الإسلامية في لبنان"، اعتمدت الأسلوب نفسه الذي استخدمته "الصهيونية" في فلسطين، من خلال الاستحواذ على أراضي الفلسطينيين، عبر تأسيس صناديق ووكالات وجمعيات، بعضها وهمي والآخر علني، وتقديم إغراءات مالية إلى جانب ممارسة ضغوط معنوية. كل ذلك تم ضمن سياسة منهجية تقوم على قضم المناطق تدريجيًا وتغيير هويتها خطوةً فخطوة.
في هذا السياق، برز مؤخرًا إلى الضوء، جمعية "الكوثر الاجتماعية"، حيث كشفت الوثائق، عن تملّكها غير المشروع للعديد من العقارات في ساحل الشوف. وكانت المحامية وعضو المكتب السياسي الكتائبي ريتا بولس، أول من بادر إلى طرح الصوت ووضع خبايا تلك الجمعية وأهدافها المشبوهة أمام الرأي العام اللبناني والأجهزة الأمنية والقضائية.
ففي تقرير مهم أعدته بولس، تطرقت فيه إلى عمليات تملّك مشبوهة في منطقة الرميلة، فأشارت إلى أن العقارات "1748، 2305، و2306" الواقعة في بلدة الرميلة، كانت موضوع مخالفات بناء منذ عام 2019، حيث وضعت إشارات مخالفات على العقارين 2305 و2306 بسبب تعديات على مجرى المياه، كما جرى إعداد مخطط توجيهي للعقار 1748 بهدف تصنيف المنطقة زراعيًا وسياحيًا للحد من البناء العشوائي. ورغم ذلك فوجئنا بسعي الجمعية المذكورة إلى تملكها وتوقيع عقود بيع ممسوح وتسجيلها في الدوائر العقارية على سبيل الاحتياط".
وتحت شعار "من هالك لمالك"، فضحت الوثائق، أن عملية نقل ملكية العقارات الثلاثة في الرميلة من "شارٍ" موقت يدعى خالد هرموش من طرابلس، ومقرّب من "الجماعة الإسلامية"، اشتراها واستحصل على رخص بناء أربعة مجمعات سكنية قبل أن ينقل ملكيتها إلى جمعية "الكوثر".
إلى ذلك، أضافت بولس أن الوثيقة المصورة لنظام المعلومات العقاري (عقارات الدامور) أفادت بأن الجمعية، تمكنت من تسجيل عقود البيع النهائي لمصلحتها في الدوائر العقارية في منطقة الدامور وذلك للعقارين 2378 قسمي 4 و7. كما لفتت إلى أن ثلاثة عقارات قد اشترتها الجمعية في منطقة الدبية.
أما الجمعية "الاجتماعية"، فتأسست بموجب علم وخبر عام 2002. من أهدافها: الاهتمام بالزواج، العمل على تقوية الروابط الأسرية، تقديم المساعدات النقدية والعينية للمحتاجين من المتزوجين الجدد وإقامة الأعراس الجماعية. أما المؤسسون، فيظهر في محضر العلم والخبر، سبعة، أبرزهم: المؤسس الرئيسي للجمعية وصاحب العقار الذي أنشئت عليه الجمعية عيسى علي أصغر طبطبائي نجفي (وتسأل بولس: هل هو لبناني؟). أما في قائمة الأعضاء التي تضم 28 اسمًا، فيرد اسم علي تاج الدين، أحد أبرز الشخصيات المالية والعقارية التابعة لـ "حزب الله"، والمدرج على لائحة العقوبات الأميركية، لقيامه هو وشقيقه علي، بإدارة شبكة أعمال تمتدّ من لبنان إلى غامبيا، سيراليون، الكونغو، أنغولا و "جزر العذراء" البريطانية. واستخدم شركة "تاجكو" لشراء وتطوير عقارات في لبنان نيابة عن "الحزب".
إذًا، إن "حزب الله" الذي لطالما تغنى زيفًا بادعاء حماية المسيحيين، وهم طبعًا ليسوا بحاجة لمن يحميهم أو يدافع عنهم، لم يكن ذلك في الحقيقة سوى "دس السمّ في العسل"، مستغلًا بعض ضعاف النفوس، والجشعين والطامعين والمطبّلين له، والمغشوشين بشعاراته، لتنفيذ "وعده الصادق" القديم، عندما اعتبر أن "المسيحيين غزاة"، وبالتالي من الواجب عليه سلب أراضيهم، بالحيلة والتقيّة. غير أن هذا "المكر" لا يُعفي أصحاب الأراضي والعقارات المسيحيين من مسؤوليتهم، إذ إن بيعهم لممتلكاتهم يشكّل جريمة معنوية وتاريخية بحق إرث أجدادهم ودماء آبائهم، ويُسهم عن وعي أو عن جهل في تغيير هوية الأرض وتفريغها من أهلها الأصليين.